تعرّض رجل في الأربعينيات مساء الإثنين الماضي لاعتداء بالسكين في منطقة كينار أفينيو شمال بلفاست، وأُودع المستشفى بجروح بالغة الخطورة في عينيه ووجهه ورقبته وظهره، ولم تكن الحادثة عابرة، فقد فجّر مقطع فيديو صوّر الرجل يجثم على الضحية في الشارع، ويوجّه إليه ضربات متكررة بالسكين، غضباً شعبياً كبيراً داخل البلاد.
اعتقلت الشرطة رجلاً سودانياً في الثلاثينيات من عمره يدعي هادي العُديد، ووجهت إليه تهم الشروع في القتل وحيازة سلاح أبيض في مكان عام والتهديد بالقتل، وأكدت وزارة الداخلية أنه لاجئ يحمل إذن إقامة صالحاً حتى عام 2028، موضحة أن العُديد شق طريقه من السودان إلى باريس قبل أن يسافر جواً إلى دبلن، ثم انتقل منها بالحافلة إلى بلفاست في إيرلندا الشمالية في الـ 10 من فبراير (شباط) 2023، حيث تقدم هناك بطلب لجوء.
خلال الساعات التي أعقبت الحادثة مباشرة، خرجت حشود في مناطق متفرقة من بلفاست مرتدية الأقنعة، وأضرمت النار في حافلة وسيارات عدة ومبنى وسط المدينة، مما استدعى إجلاء ساكنيه، والأعنف في المشهد أن الغضب لم يُوجه إلى مبان فارغة وإنما إلى مساكن مأهولة أحرقت وطرد أهلها، وبعضهم مواطنون وليسوا مهاجرين.
أعمال الفوضى والشغب أو البلطجة، كما تصفها التقارير الرسمية، تمددت خارج بلفاست، فتجمعت الحشود في مدينة أنتريم الواقعة على بُعد نحو 25 كيلومتراً غرب عاصمة إيرلندا الشمالية، واضطرت الشرطة إلى نشر مركبات مدرعة هناك من أجل ضبطها، ولم ينته الأمر هنا، فلا تزال البلاد تتوقع موجة احتجاجات في مناطق مختلفة.
زعيم حزب" ريفورم" النائب نايجل فاراج وصف فعل العُديد بالهمجي، وشكك في حق المتهم بالوجود داخل البلاد، فيما ذهب رئيس حزب" ريستور" روبرت لو أبعد من ذلك مطالباً بترحيل عموم اللاجئين، وإنهاء ما وصفه بـ" الهجرة الجماعية"، بل ونشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن حكومة يقودها ستطبق عقوبة الإعدام بحق المهاجرين الذين تثبت إدانتهم في أعمال عنف مثل جريمة اللاجئ السوداني.
وفيما طالب قائد حزب" الاتحاد الديمقراطي" السياسي غافين روبنسون بـ" كبح الهجرة غير المنضبطة"، نشر الناشط المعادي للهجرة ستيفن لينون، المعروف بـ" تومي روبنسون"، عبر منصة" إكس" تفاصيل احتجاجات مخطط لها، ودعا إلى تظاهرات مناهضة للهجرة، وليست المرة الأولى التي يؤدي فيها روبنسون هذا الدور.
التحريض ضد المهاجرين ومحاولة استغلال الحادثة سياسياً تجاوزا حدود المملكة المتحدة، فقد أعاد الملياردير الأميركي ومالك منصة" إكس" إيلون ماسك نشر منشورات روبنسون، مضيفاً عليها" التغيير لن يحدث إلا بالاحتجاج المتكرر والصاخب"، ليكرر بذلك ما فعله خلال موجة الشغب التي ضربت البلاد عام 2024، على خلفية" جريمة ساوثبورت"، حينما تفاعل مع منشورات روبنسون وأعلن أن" الحرب الأهلية في بريطانيا أمر لا مفر منه".
بين الـ 30 من يوليو (تموز) والخامس من أغسطس (آب) 2024، اجتاحت موجة عنف يميني متطرف بلفاست ومدناً وبلدات إنجليزية، إثر مقتل ثلاث فتيات بعد درس رقص بمدينة ساوثبورت الساحلية، وكان وقود تلك الأعمال بصورة رئيسة ادعاءات كاذبة روّجت لها مجموعات اليمين، بأن الجاني مسلم وطالب لجوء عبر بحر المانش قدم من فرنسا، وقد أُصيب خلالها أكثر من 361 ضابطاً، واُعتقل 1840 شخصاً، أُحيل 1103 منهم إلى القضاء.
وفي التاسع من يونيو (حزيران) 2025، اندلعت أعمال شغب في بالمينا بإيرلندا الشمالية إثر اعتداء جنسي مزعوم على طفلة من شابين يتحدثان الرومانية، وسرعان ما انتشرت إلى بلفاست وكاريكفيرغس ونيوتاونابي، وصحيح أن التهم أسقطت لاحقاً عن المتهمين بسبب عدم كفاية الأدلة، لكن العنف ضد المهاجرين كان انتشر عبر بلدات عدة شمال إيرلندا.
جريمة العُديد جاءت بعد أيام من قضية مقتل هنري نواك على يد شاب من السيخ، وبسبب تلك الواقعة تفجرت احتجاجات عنيفة في شوارع ساوثهامبتون جنوب بريطانيا، أيدها ماسك، إضافة إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، فخرج مكتب رئيس الوزراء كير ستارمر ليقول" نشهد في الأيام الأخيرة محاولات للتدخل في ديمقراطيتنا، وبثّ الانقسام في شوارعنا"، ففي الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل نواك، وهو طالب بريطاني عمره 18 سنة، طعناً على يد فيكروم ديغوا (23 سنة)، وقد ادعى الأخير أن نواك اعتدى عليه عنصرياً، فما كان من الشرطة إلا أن كبّلت الضحية وهو يحتضر، وبعدما تكشفت الحقيقة صدر حكم بالسجن المؤبد بحق ديغوا في مايو (أيار) 2026 مع حد أدنى بـ 21 عاماً.
في ردود الفعل الرسمية المعارضة للعنف والفوضى بعد جريمة العُديد، ناشد رئيس شرطة شمال إيرلندا جون باوتشر المجتمع" إعطاء الشرطة مساحة لإجراء تحقيق كامل"، فيما وصف ستارمر مشاهد ليلة الشغب بـ" الصادمة وغير المقبولة تماماً"، مؤكداً" عدم وجود مبرر للعنف والفوضى التي رأيناها تهدد مجتمعاتنا، ولا لمن شجع عليها عبر الإنترنت أو في الميدان".
من جهته قال الحزب" الديمقراطي الوحدوي" إن" صب الغضب على من لا علاقة لهم بالأمر فعل خاطئ كلياً"، واتهم" شين فين" اليمين المتطرف البريطاني بتأجيج عنف" يستحضر أحداث مذابح 1969 في بلفاست".
وفي حين يُطعن رجل في شوارع بلفاست ويُضرم المتظاهرون النار في بيوت سود لا ذنب لهم سوى لون بشرتهم، يصف السياسيون ما جرى بـ" الشغب والفوضى والتطرف"، لكن ما يحدث في بلفاست ليس استثناء عارضاً، بل لحظة كشف لبنية عنصرية موجودة، وميراث متراكم يعود بجذوره للإمبراطورية، ويتجدد في كل أزمة سياسية بثوب جديد.
المتهم في حادثة بلفاست لاجئ أسود أفريقي مسلم، وكل واحدة من تلك الهويات كافية لتحويل جريمة فرد إلى حكم على مجتمع، فلم يسأل أحد ما الذي دفع العُديد إلى هذا الفعل؟ وما وضعه النفسي؟ والسؤال الوحيد الذي طغى على كل شيء: ما جنسيته؟ وخلال الساعات الأولى قال مسؤولو الشرطة إنهم" يعتقدون بأنه صومالي"، ثم تبين أنه سوداني، وهذا يقودنا إلى السؤال حول كيفية إدارة التحقيقات حين يكون المتهم من غير أصحاب البشرة البيضاء، فهل تسبق الهوية العرقية الفضفاضة التدقيق في الجريمة وفاعلها وظروفها؟ثمة أمثلة عدة من التاريخ يمكن استدعاؤها، فـ" فضيحة ويندراش" كشفت كيف اُحتجز آلاف المهاجرين الكاريبيين القادمين إلى بريطانيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وجرى ترحيلهم بصورة خاطئة بعد أن حُرموا السكن والرعاية الصحية والتوظيف نتيجة قرارات إدارية تجاهلت حقوقهم، فهؤلاء لم يكونوا مهاجرين غير نظاميين، بل يحملون جوازات سفر بريطانية، ويعملون في الخدمة الوطنية، ويدفعون ضرائبهم، ومع ذلك طاردتهم الدولة.
وفي أعقاب مقتل البريطاني من أصول أفريقية ستيفن لورانس عام 1993 وما تلاه من تحقيق، رسخ" تقرير ماكفرسون" عام 1999 مفهوم العنصرية المؤسسية داخل الشرطة، مؤكداً أن الممارسات التمييزية متجذرة في المؤسسات حتى حين تغيب النيات العنصرية الصريحة، منوهاً بأن تلك الممارسات تطاول الشرطة والتعليم والرعاية الصحية والقضاء، وقد مرت ثلاثة عقود ولا يزال النقاش قائماً، والبيانات تعيد إنتاج نفسها.
ماذا تقول الأرقام؟ ثمة دراسة نشرتها صحيفة" ذا ميرور" عام 2023، وشملت أكثر من 14 ألف شخص من 21 مجموعة عرقية، وخلصت إلى أن ثلث الأقليات الإثنية والدينية في بريطانيا تعرض لاعتداء جسدي أو لفظي على خلفية عنصرية، وأن واحداً من كل خمسة يواجه تمييزاً في البحث عن السكن، بينما يصل التمييز في التعامل مع الشرطة إلى 43 في المئة بين الكاريبيين السود، أما أرقام وزارة الداخلية للعام المنتهي في مارس (آذار) 2025، فتُظهر أن السود يتعرضون للتوقيف والتفتيش بمعدل أربع إلى خمس مرات أكثر من البيض.
وعلى رغم هذه الأرقام تُتهم الشرطة البريطانية اليوم بأنها تراعي الأقليات، واللافت أن مصطلح" ازدواجية المعايير" تبع مقتل بريكستون 1981، ليصف إفراط الشرطة في مراقبة مجتمعات السود والتحيز ضدها، أما استخدامه اليوم في خطاب" اليمين المتطرف" فهو عكس ذلك، إذ يدّعي أن الشرطة تجور على سكان البلاد الأصليين مراعاة للمهاجرين.
وبعد شغب عام 2024 الذي أعقب مقتل أطفال ساوثبورت، أجرت لجنة الشؤون الداخلية البرلمانية تحقيقاً مشتركاً بين الأحزاب في ادعاءات مراعاة الشرطة للأقليات، ولم تجد أي دليل عليها ووصفتها بالمخزية، وبحسب مكتب" الرقابة على الشرطة" فإن 23 في المئة من الوفيات أثناء الاحتجاز أو في أعقابه، كانت من غير البيض بين عامي 2015 و2020.
حين جرى احتجاز الرجل السوداني سارع السياسيون والمعلقون إلى ربط الجريمة بالهجرة كسياسة، وأشخاص مثل فاراج والوزيرة المحافظة السابقة سويلا برافرمان وجهوا اتهامات للشرطة بالتعامل بقسوة مع المحتجين اليمينيين، مقارنة بحركات مثل" حياة السود مهمة" والاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، وفي مارس عام 2025 قال النائب روبرت جينريك خلال عشاء حزبي في برمنغهام إنه" لم ير وجهاً أبيض واحداً" في منطقة هاندسورث، واصفاً إياها بأنها" من أسوأ الأماكن اندماجاً"، وفي مجلس اللوردات تساءل وزير شؤون إيرلندا الشمالية في حكومة الظل المحافظة، اللورد كاين، عما تقوم به حكومة بلفاست لمنع المهاجرين من استخدام" اتفاق شنغن" ومنطقة السفر المشتركة للقدوم من أوروبا وطلب اللجوء في المملكة المتحدة، فردت البارونة أندرسون بأنه خلال الأشهر الـ12 الماضية نُفذت 1500 عملية رصد وتتبع للهجرة غير الشرعية في إيرلندا الشمالية، مع أكثر من 1200 عملية اعتقال.
بلفاست ليست مجرد مدينة بريطانية عادية، إنها ذلك المكان الذي خرج للتو من عقود من الصراع الطائفي، ولا تزال انقساماتها العميقة حاضرة تحت السطح، لذا فإن الشغب الأخير لم يكن مجرد غضب من جريمة، بل كان توظيفاً لبنية موجودة أصلاً، وتعتقد منظمة" لجنة إدارة العدالة" أن موجات الشغب المتكررة منذ عام 2023 تتمركز في مناطق مؤيدة للوحدة مع بريطانيا، بينما شبه حزب" شين فين" ما حصل أخيراً بـ" مذابح 1969"، حين أُحرقت بيوت الكاثوليك، مؤكدة أن المشهد الحالي يستعيد الديناميكيات ذاتها، ولكن بضحايا جدد من المهاجرين الأفارقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك