مع كل هذا الغثاء الذي تلطخ أذهاننا به وسائل التواصل والإعلام، ومع انزواء المحتويات المفيدة، يبدو أننا وصلنا مرحلة «تجميل القبح»، وهي مرحلة أتت بعد مهاد فلسفي ونظري طويل، يقول بـ»نسبية الأخلاق»، و»تسييل الأخلاق»، وتحريك الثوابت، وجعلها القيم مجرد ظواهر اجتماعية، ليس لها ضوابط أو حدود.
حشد هائل من فلسفات الحداثة وما بعدها، ومن الثقافات الاستهلاكية، ومنتجات العولمة، والشركات العابرة للجنسيات التي تقول لك: كُلْ، اشرب، استهلك، تمتع، وافعل ما يحلو لك، أنت لست إلا جسدك، وجسدك فقط غرائزك، وغرائزك لدينا ما يشبعها، ما عليك إلا أن تضغط زراً وستكون السلعة بين يديك، بكل سهولة، ودون أدنى جهد.
وأنت – إذ تضغط الزر – سعيد لتوفير الوقت والجهد، دون أن تعرف أنك توفر جهدك ووقتك، لا لأسرتك ومجتمعك، ولا حتى لنفسك وإبداعاتك، بل لتطبيقات الأكلات والتواصل، والتسلية والمواعدة والكيف، وهذا هو المطلوب، لكي تتحول في النهاية إلى سلعة، سلعة لا تختلف عن أية سلعة على الرّف، أو على أحد تطبيقات الشركات العالمية.
كثيرٌ من الفلاسفة قالوا لنا إن القيم سائلة، مائعة، يُعاد تشكيلها، حسب الحاجات والمصالح، القيم تتطور بتطور المجتمعات والشعوب، وتلك تتحرك بعوامل اقتصادية، والاقتصاد هو المحرك الأكبر لعجلة التاريخ الذي هو تاريخ صراع رهيب على المصالح.
القيم منظومات بشرية تتغير بتغير الزمان والمكان، وما كان ممنوعاً أمس ليس بالضرورة أن يظل ممنوعاً اليوم، وما كان مباحاً أمس أصبح محرّماً اليوم، حسب تلك الفلسفات.
وتتوالى المقولات: فـ«الخير والشر ليسا معطيين ثابتين، بل نتاج ظروف الإنسان وتاريخه»، و»الأخلاق اختراع بشري»، وقبل ذلك انتشرت أفكار تؤكد أن «كل عصر ينتج أخلاقه، كما ينتج آلهته»، وما الأخلاق إلا عادات اجتماعية، أُضفيت عليها القداسة الدينية، وسادت مقولات: «الدين صناعة بشرية»، و»فصل الأخلاق عن الدين»، وأخرى ترى الدين ظاهرة اجتماعية، أو استجابة نفسية لحاجات وغرائز ومخاوف الإنسان، كما يرى سجموند فرويد، وهنا أصبح الدين والأخلاق مفاهيم نسبية خاضعة لظروف الزمان والمكان والمجتمع والإنسان، وذلك لكي تعيد الشركات الكبرى تعليب الأديان والأخلاق لنا، على طريقتها الخاصة.
وظلت هذه المقولات «العدمية» تتناسل من بعضها، إلى أن أعاد صياغتها زيجموت باومانفي، في كتابه «الحداثة السائلة»، مؤكداً أن «الإنسان الحديث يعيش في عالم سائل، لا شيء يبقى صلباً، بما في ذلك القيم».
هذه السيولة هي التي جعلت من السهل إعادة تصميم الأخلاق، فأصبح لدينا أخلاق مصممة للسياسة، وأخرى للسوق، وقيم للبورصة، وأعيد إنتاج «أخلاق وظيفية»، غرضها جلب المزيد من الزبائن، حيث القيم غير متماسكة، ولا تحتكم لمرجعيات، سوى مرجعيات المصلحة والربح وأسعار البورصة، وحجم المزادات، مع تلاشي مفاهيم مثل: الثوابت والضوابط والحدود.
إنه «الفساد»، حسب التعبير القرآني، حيث المنظومات المجتمعية تنهار تباعاً، بشكل منهجي ومدروس، والأنساق القيمية يعاد تعريفها، إذ لا توجد أخلاق، أو ثوابت، أو أُسَر، أو مجتمعات.
ألم يقل نيتشه إنه «لا توجد حقائق أخلاقية، بل تأويلات أخلاقية»، ومن هنا فالأخلاق ذات طابع شخصي، يخضع لتأويلات كل شخص، وما أراه خيراً قد يراه غيري شراً، ولذا من المهم تأكيد مسألة «موت الإله»، لأنه «إذا مات الإله لا تبقى السماء فارغة فقط، بل تسقط معها كل المعايير»، وهذا هو المطلوب، ليس لصياغة «أخلاق جديدة»، وحسب، بل لصياغة «آلهة جديدة»، تحرّرنا من «قيود الإله التقليدي».
وإذا عملت الحداثة على «هدم المعنى» فإن «ما بعد الحداثة» هو «ما بعد المعنى»، وإذا انهار المعنى سقطنا في هوة بلا قرار، وهذا ما يحدث لنا كل يوم.
وإذا كانت الفلسفة التي ركزت على الإنسان قد أفرغته من روحه، فإنها قد أفرغت العالم كله من المعنى، وأعطت الإطار النظري لـ»الأخلاق السائلة»، لتأتي المؤسسة، فتعمم هذه «الميوعة الأخلاقية»، ثم تأتي وسائل التكنولوجيا الحديثة، لتغدو «التطبيق العملي» لــ»الأخلاق السائلة»، حيث جمَّلت تلك الوسائل القبح، وقدّست التفاهة، وجعلت التافهين مفكري المجتمع، وقادة الرأي فيه، ومن ورائهم شركات تكنولوجية عملاقة، كل همّها الربح الذي من أجله عملت على «تسييل الأخلاق»، وتسويق التفاهات.
إذا مثلت الحداثة مرحلة «هدم المعنى» فإن «ما بعد الحداثة» يمثل «ما بعد المعنى»، وإذا انهار المعنى سقطنا في هوة بلا قرار، وهذا ما يحدث اليوم.
لا بد – إذن – من «مأسسة التفاهة»، لتصبح أكثر «مهابة وفخامة»، حيث يُعرض المحتوى التافه، فينقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض للفكرة التافهة، ثم ينسحب النقاش شيئاً فشئياً لصالح تطبيع تلك الفكرة، ثم بعد ذلك تأتي الشركات لدعمها بـ»الأبحاث العلمية»، لإسباغ صفة الرصانة على التفاهة، ثم مع الزمن تصبح تلك الفكرة هي القاعدة، وما سواها هو الشذوذ، لنجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة، في فضاء سائل: الأخلاق فيه سائلة، والقيم مائعة، والعلاقات مؤقتة، والمفاهيم متغيرة، والهويات متحركة، ولا شيء يقيني، ولا قيم ولا ثوابت، وإنما فراغ سديمي غائم، نتحرك فيه، حسب مصالحنا وأهوائنا وطموحاتنا وغرائزنا ورغباتنا التي تنتهي بنا إلى الملل والضجر، لتصبح الحرية التي باسمها انتشرت التفاهة، تصبح هذه الحرية سجناً كبيراً، جدرانه من غرائزنا وشهواتنا التي خنقت فضاء الروح، وملأت أفقنا الجميل بملايين المحتويات التافهة، والأشياء والمستهلكات التي تخنقنا كل يوم.
إنها قضية تم الاشتغال عليها بذكاء، لتفكيك منظوماتنا الدينية والأخلاقية، وتصميم منظومات جديدة، لا تناسبنا بالطبع، ولكنها تناسب أولئك الذين صمموها للحصول على مجتمعات لزجة يعاد تشكيلها، حسب معايير شركات الإنتاج، وثقافات الاستهلاك.
من هنا أصبحت المحتويات الهابطة «ترندات»، وتصدّرت الفيديوهات الفاضحة، والأخبار المشينة، وعمّت الشائعات على وسائل التواصل، ولهث الجمهور مسعوراً وراء «موضة الترند»، بعد أن كان تراثنا الثقافي والروحي يمنع ذلك، لحماية المجتمع من الانحرافات الأخلاقية، تلك الانحرافات التي لم تعد معاييرها ثابتة، والتي تغيرت، في زمننا، حتى أصبحنا نتقبل كثيراً منها، على أساس أنها أشياء طبيعية، بعد أن مررنا بمعالجات مستمرة، لتطبيع الانحراف، والتعايش معه، لننتقل إلى مرحلة الدفاع عنه وتسويقه للناس، كضرورة من ضرورات القيم الحديثة التي ينبغي الحفاظ على سيولتها، وليونتها، ليعاد تشكيلها، بما يخدم حركة التاريخ، وحتمية التطور.
يقول جورج أورويل: «في الأزمنة المنحطّة يصبح الانحطاط فضيلة»، وهذا ما كان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك