وكالة شينخوا الصينية - مشهد لبحر من السحب في شمالي الصين فرانس 24 - مونديال 2026 يمزج بين كرة القدم ونجوم الموسيقى العالمية روسيا اليوم - ترامب: تحدثت مباشرة مع مسؤولين إيرانيين وقد طلبوا مني وقف القصف وكالة شينخوا الصينية - مناظر أخاذة لاقتران كوكب المشتري وكوكب الزهرة في السماء فرانس 24 - مونديال 2026: رافينيا يأمل في ردّ الجميل لأنشيلوتي عمّا حرمه منه مع برشلونة روسيا اليوم - "خاتم الأنبياء": القوات المسلحة الإيرانية سترد بقوة على أي عدوان أمريكي في المنطقة روسيا اليوم - مقر "خاتم الأنبياء" الإيرني: اعتبارا من هذه اللحظة يُعلن إغلاق مضيق هرمز أمام مرور جميع أنواع السفن قناة التليفزيون العربي - تصريحات عاجلة عن الرئيس ترمب حول الضربات العسكرية على إيران CNN بالعربية - لماذا استثنت إيران السعودية وقطر والإمارات من هجماتها الأخيرة؟ قناة الجزيرة مباشر - الحرس الثوري الإيراني يعلن إغلاق مضيق هرمز بالكامل ويستهدف سفينتين بالمنطقة
عامة

كي يكون الحزن على الجنوب لائقاً

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
1

لم نستطع أن نجمع كل ما عشناه في الجنوب ليكون الحزن عليه لائقا. كان المذيع يسرع في تعداد أسماء القرى التي يجب إخلاؤها، أسرع من أن نتمكن من أن نقول هذه عرفناها، وهذه كان لنا فيها أصدقاء. في عمر الصداقات...

لم نستطع أن نجمع كل ما عشناه في الجنوب ليكون الحزن عليه لائقا.

كان المذيع يسرع في تعداد أسماء القرى التي يجب إخلاؤها، أسرع من أن نتمكن من أن نقول هذه عرفناها، وهذه كان لنا فيها أصدقاء.

في عمر الصداقات التي ستصير مديدة، تعرّفنا على الخيام وعدلون وجرجوع وصور ومرجعيون وقرى أخرى كثيرة.

كانت هذه سنوات الجنوب، الذي صارت قراه ومدنه أكثر من مجرد أسماء.

كنا نقول مثلا اشتقنا للسيد هاني في جبشيت، ثم نسرع في الذهاب إلى جبشيت، أو أتّفقُ أنا وحمزة على أن نذهب إلى الخيام لنقضي أياما فيها مع محمد العبدالله وحسن عبد الله.

كنا نحتفل بمعرفتنا التي تتسع، حيث لم يكن يتيح لنا العيش مع الأهل، قبل ذلك، إلا معرفة قرية أو قريتين.

كأن الجنوب لم يكن موجودا من قَبْل، ثم وُجد معنا، حتى إننا صرنا نخطط لمشاريع نقيمها في القرى.

من هذه كان المهرجان الشعري الذي أحييناه في نادي الشقيف بالنبطية.

وكنّا أطلقنا على اجتماعنا اسم «منتدى أدباء الجنوب»، مع أن الجنوب لم يتأخّر كثيرا عن بدء خرابه.

أذكر أنني قصدت بيت خالي بعد أسابيع من ذاك المهرجان، لم يكن أحد فيه، إلا خالتي التي بقيت لحراسة البيت.

لم تبد مسرورة بقدومي، وهي قالت معتذرة أنها لا تحبّ أن يزورها أحد إذ لا تعرف كيف عليها أن تتصرّف حين يبدأ القصف.

قالت أيضا أنها تريد أن تستحمّ، لكنها تخاف، إذ كيف ستهرب وهي عارية بلا ثياب.

ورغم ذلك كنا، أنا وجهاد، نذهب إلى الجنوب من أجل ألا نزور أحدا، فقط للتجول بسيارته الميني ماينور الصفراء لنصل إلى آخر حاجز، ذاك الذي سيقول لنا الجيش فيه أن الطريق قُطعت من هنا وأن علينا أن نعود أدراجنا.

ومرة رحنا نراوغ العسكريّ ليسمح لنا أن نتقدّم في الطريق.

كان جهاد يريد أن يرى الناقورة، هناك في آخر لبنان، والتي كنا نحفظ اسمها من أيام المدرسة.

كنا نحبّ أن نعرف الأمكنة غير المتاحة معرفتها.

أن نزور قرية بعد يوم من تعرّضها للقصف.

وكان أهل القرى والمدن مسرورين في التعرّف إلى بعضهم بعضا في أوقات ما يلتقون معا حين يكون الخطر واقعا عليهم، أي حين ينزح المعرَّضون للقصف إلى قرية أخرى آمنة.

تعرّفت إلى أهل النبطية حين أتوا إلى ضيعتنا.

وقد طالت إقامتهم عندنا.

كانوا يقيمون السهرات التي اشتركنا معهم في إحيائها، مشاركين في الغناء الذي لم يكن ليتردّد قبل ذلك في البيوت قبل استئجارهم لها.

كانت تلك الشهور من أجمل أوقات النميرية، فالجميع كانوا سعداء، نحن وهم.

لم نستطع أن نجمع كل ما عشناه في الجنوب ليكون حزننا عليه لائقا.

نسمع ذاك الذي اسمه أفيخاي أدرعي وهو يسمّي عشرين قرية داعيا ساكنيها إلى مغادرتها.

يفعل ذلك كل يوم، مسميّا قرى أخرى، بل في أحيان يكرّر أسماء القرى ذاتها، لكن ضامّاً إياها إلى لوائح فيها مجموعة قرى ثانية، هكذا كأن ما جرى فيها لم يكن كافيا لها.

ونحن، قبالة التلفزيون، نروح نتبع ما يقوله مستذكرّين ما سبق أن زرناه منها، أو نحصي كم مرةّ، إلى حدّ الآن، دعا الرجل الإسرائيلي أهل زوطر الشرقية إلى مغادرتها.

هكذا نحزن على قرى أقل مما نحزن على سواها.

ولم تعد صور القرى المدمّرة التي التقطتها الكاميرات من نوافذ السيارات المفتوحة، تلقى فينا ما تستحقّه من سخط.

لم يعد هناك ما يفاجئ.

ومثلما لم يعد ممكنا الاستدلال على بيوت الخيام التي كنا نزلناها، بل ونمنا فيها، بتنا نجد مشقّة في تذكّر أين كان مكان هذه البيوت في المدينة.

كانت سنوات كثيرة قد انقضت على انقطاعنا عنها وانقطاعها عنا.

حتى إننا لم نصعد إلى الخيام لنشارك في دفن صديقنا الشاعر حسن عبدالله.

لا خوفا فقط، بل لأن الناس ما عادوا يزعلون من الذين لا يأتون إلى الجنازات، بل إن الجنوب، لكثرة ما توطّنت فيه الأخطار والحروب، والجنازات أيضا، لم يعد بنا شوق إليه.

أقصد أننا قليلا ما صرنا نتذكّر كم كنا مبتهجين في الأيام التي سبقت، أي أن مشاعرنا، نحن من أقمنا له منتدى الأدباء، باتت قليلة نحوه.

كنت أتعجّب من نطق أمي لكلمته.

كلما قالت «الجنوب»، كانت تبدو كأنها تعتزّ بما لفظت، أو كأنها طربت لكلمة سمعتها من أغنية، أو تخيّلت شيئا مثل مساحة أرض واسعة وجميلة.

ربما فكرت أن أمي تأثرت بالشباب الشعراء الذين يجيئون إلى بيتنا، فأحبّت أن تكون مثلهم.

أما أنا فيبقيني ذكر الكلمة «الجنوب» عند وجه المذيع الذي يعدّد، في أوّل كل نشرة، أسماء القرى التي سوّتها الغارات بالأرض.

صرنا قليلا ما نذهب إلى قرانا، أما في ما يتعلّق بالجنوب (كلّه) فلم نعد نذهب إليه أبدا.

رحلات التعرف التي كنا نقوم بها لم تعد ضرورية، ولا هي متاحة.

في بيروت نشتّي ونصيّف، أما امكنتها التي تجمعنا فطاولات في مقاهي الحمرا تتيح لنا أن نرفع أصواتنا بلهجتنا التي ما زلنا حاملينها معنا، من هناك.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك