غزة- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- لم يكن الرضيع محمد أحمد الخطيب بلغ يومه الخمسين في هذه الحياة، ولم يكن قد تعلّم الابتسامة جيداً أو التعلق بأصابع والدته الصغيرة، حين سبقت الحرب طفولته، وانتزعت من جسده الغض جزءاً من ساقه، ثم انتزعت أمه من بين ذراعيه إلى الأبد.
في غزة، حيث تختلط أصوات الأطفال بأزيز الطائرات، تحولت الأيام الأولى من عمر محمد إلى سلسلة من العمليات الجراحية والأوجاع التي تفوق قدرة جسد صغير لم يعرف بعد معنى الحياة، وبينما يتهيأ الأطفال في عمره للنمو بين أحضان أمهاتهم، وجد نفسه يتيماً، مبتور القدم، ومهدداً بفقدان يده أيضاً.
يروي والد الطفل لـ" الحياة الجديدة" تفاصيل ما حدث، فيما لا يزال وقع المشهد يطارده في كل لحظة: " كنا في خيمة النزوح في منطقة مواصي خان يونس، وذهبت زوجتي إلى خيمة أهلي القريبة وهي تحمل محمد لترضعه هناك، فجأة أطلقت طائرة إسرائيلية صاروخين على الخيمة".
يصمت قليلاً قبل أن يتابع بصوت مثقل بالفقد: " ركضت نحو المكان، ولم أجد الخيمة، عندما وصلت رأيت زوجتي شهيدة وهي تحتضن طفلها، أخذت محمد من تحتها، وكان جسده يرتجف من شدة الإصابة، واكتشفت أن قدمه اليسرى بترت بالكامل".
في لحظات قليلة، فقد الأب زوجته، وفقد الطفل أمه وقدمه معاً، مشهد يختصر مأساة عائلة كاملة تحولت أحلامها البسيطة إلى ركام.
50 يوماً من العمر، و50 عاماً من الألملم تتوقف معاناة محمد عند لحظة الإصابة، فبعد نقله إلى المستشفى، خضع لسلسلة عمليات جراحية متتالية لإنقاذ حياته.
وبينما كانت العائلة تستعد لوداع الأم الشهيدة، اتخذت قراراً مؤلماً بدفن الجزء المبتور من ساق الرضيع معها، في مشهد يكاد يعجز الخيال عن استيعابه.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأم توارى الثرى، كان طفلها يرقد على سرير المستشفى يصارع الألم، غير مدرك أن جزءاً من جسده قد سبقه إلى القبر مع أمه.
ويقول والده: " زوجتي كانت لا تزال في فترة التعافي بعد الولادة، ولم يمض على إنجابها سوى خمسين يوماً، فقدتها في لحظة، والآن أخشى أن أفقد يد ابني أيضاً".
منذ الإصابة، خضع محمد لأربع عمليات جراحية، فيما يؤكد الأطباء أن إصاباته المعقدة ما زالت تتطلب تدخلاً طبياً متواصلاً.
ويضيف الأب: " كل يوم يخضع لعملية جديدة، الأطباء يقولون إن يده اليسرى مهددة بالبتر، طفل عمره خمسون يوماً، كم عملية جراحية يمكن أن يتحمل؟ ".
لم يعد الأب يخشى على حياة ابنه فقط، بل على مستقبله بأكمله، فالطفل الذي نجا من حضن أمه الشهيدة، يواجه احتمال العيش بإعاقات دائمة قبل أن يتعلم الوقوف على قدميه.
وتروي جدة الطفل لـ" الحياة الجديدة" بحزن بالغ ما جرى ذلك اليوم، قائلة: " محمد كان أصغر أفراد العائلة، وكنا نفرح به في كل لحظة، لم نتخيل أن تتحول أيام ولادته الأولى إلى مأتم".
وتضيف والدموع تسبق كلماتها: " عندما رأيته في المستشفى لم أتعرف إليه من كثرة الإصابات والضمادات، كان من المفترض أن يكون بين ذراعي أمه، لكنها رحلت وتركت وراءها طفلا عمره سنتين، لم يستوعب بعد فكرة غياب امه الأبدي، ورضيعا بقي وحيداً يواجه هذا الوجع".
قصة محمد ليست سوى صفحة من كتاب طويل من المعاناة التي يعيشها أطفال غزة، أطفال لم يتعلموا المشي بعد، لكنهم تعلموا مبكراً معنى المستشفيات والعمليات الجراحية والفقد.
أما محمد، الذي لم يكمل خمسين يوماً من عمره، فلا يعرف أن أمه التي كانت تطعمه وتضمه إلى صدرها قد رحلت، ولا يدرك أن جزءاً من قدمه دُفن معها تحت التراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك