اعادت حادثة سفينة هونديوس السياحية التي وجدت نفسها عالقة في عرض المحيط بسبب تفشي فيروس هانتا ذكريات مؤلمة عن الاوبئة البحرية التي كانت تفتك بالركاب والموانئ وتفرض حصارا صحيا شاملا على العالم.
واظهرت هذه الازمة ان البحار لا تزال تمثل فضاء مثاليا لانتشار الامراض المعدية وهو امر كان العالم يظن انه اصبح جزءا من التاريخ القديم المرتبط بطاعون مرسيليا ومحاجر القرن الثامن عشر الموحشة.
وكشفت التحليلات التاريخية ان ما نعيشه اليوم ليس استثناء بل امتدادا لسلسلة طويلة من الازمات الصحية البحرية التي كانت تبدا من سفن الشحن وتنتقل الى المدن الساحلية نتيجة ضعف التدابير الوقائية المتبعة.
واكد الباحثون ان خصوصية الرحلات البحرية التي تستغرق اسابيع طويلة تجعل من السفن بيئات مغلقة تساعد على تفشي العدوى بسرعة كبيرة مما دفع السلطات تاريخيا لفرض انظمة حجر صحي صارمة على جميع السفن.
واوضح المختصون ان وجود طبيب على متن السفينة اصبح مطلبا الزاميا منذ القرن التاسع عشر وذلك لمراقبة الركاب وتخصيص اماكن عزل للمصابين وهو نظام تطور لاحقا ليشمل فحوصات دقيقة في الموانئ العالمية الكبرى.
واضافت الدراسات ان مركز ايليس ايلاند في امريكا كان مثالا حيا على هذا التوجه حيث خضع ملايين المهاجرين لفحوص طبية دقيقة منعا لتسرب الامراض الى الداخل وحماية للمجتمعات المحلية من الاوبئة القادمة.
وبين المقال ان الصحة البحرية تحولت في ذلك الوقت الى اداة سياسية لتعزيز نفوذ الامبراطوريات وحماية المصالح التجارية حيث كانت السفن تخضع لرقابة صارمة تمنعها من الرسو في حال وجود اي اشتباه طبي.
واشار الخبراء الى ان رفض استقبال سفينة هونديوس يعكس استمرارية هذا المنطق السياسي في ادارة الازمات حيث لا تقتصر قرارات الاغلاق على الجانب الصحي بل تمتد لتشمل مفاهيم السيادة الوطنية والخوف من فقدان السيطرة.
وشدد الكاتب على ان صعود النقل الجوي غير معادلات انتشار الاوبئة ولكن رحلة هونديوس التي دامت 46 يوما اعادت احياء سيناريو المرض الذي يتفجر في عرض البحر بعيدا عن المستشفيات والمراكز الطبية المجهزة.
الفئران العدو التاريخي للسفنوذكر المقال ان الفئران ظلت لقرون العدو الاول للسفن نظرا لدورها في نقل الاوبئة القاتلة مما دفع البحارة لابتكار حواجز معدنية وتقنيات تعقيم خاصة لمنع القوارض من الصعود الى متن المراكب وتلويث المؤن.
واكد الباحثون ان العثور على فئران نافقة على متن السفن كان يعتبر قديما انذارا مرعبا باقتراب كارثة صحية وهو ما يربط بين التاريخ القديم وتحديات العصر الحديث في التعامل مع الفيروسات الناشئة.
وختم المقال بان ازمة هونديوس تعد مرآة تكشف عودة العالم الى اساليب العزل القديمة عند الشعور بالخطر مؤكدا ان البحار ستظل فضاء هشاً امام الاوبئة رغم كل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي حققته البشرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك