لا تزال ثقافة ما بعد الاستعمار تُمثّل حالة هجينة ومعقدة، تتداخل فيها علاقة جدلية بين موروثات الشعوب المُستعمَرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي المهيمن.
هذا النظام أنتج بمرجعيته المادية ظواهر فكرية كبرى كالحداثة المستندة إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة التي جاءت لتفكيك تلك المركزية، وإعادة الاعتبار للثقافات المحلية وتقاليد الشعوب؛ انطلاقاً من مبدأ أن الحقيقة نتاج بشري عام لا حكر لجهة عليه.
ضمن هذا السياق العام، يقدّم كتاب" الإرث الكولونيالي.
والحداثة وما بعد الحداثة" (دار التكوين، دمشق، 2026) للناقد والشاعر العراقي المقيم في لندن، فاضل السلطاني، وثيقة أدبية ترصد هذه الوضعيات، حيث يقرأ صاحبُه تجارب أربعة شعراء يمثلون تيارات ومرجعيات جغرافية وثقافية متباينة: ديريك والكوت، وبيرناردين إيفاريستو، ولي هاروود، وفرانك أوهارا.
ويحاول النفاذ إلى جوهر الصراع بين الذات المبدعة والمحيط الذي شكّله الاستعمار.
يتوزع الكتاب على ثلاثة فصول، يستهل المؤلف الفصل الأول بدراسة مقارنة بعنوان" إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة"، واضعاً الملحمة الشعرية" أوميروس" للشاعر الكاريبي ديريك والكوت في مواجهة الرواية الشعرية السيرية" لارا"، للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.
يرصد السلطاني هنا تقاطعات حادة في سيرة المبدعَين، فكلاهما يحمل هوية هجينة ومأزومة بالماضي، إذ ينحدر والكوت من سلالة العبيد، بينما عانت إيفاريستو من غياب التوازن الثقافي والاجتماعي بين والديها (أم إنكليزية وأب نيجيري).
ومع ذلك، تتفاوت مقاربتهما؛ فإيفاريستو تسعى عبر" لارا" إلى مواجهة استعمار الوعي والمصالحة مع ذاتها لتجاوز إرث العبودية واستعادة كليتها النفسية، في حين يتجه والكوت نحو مساءلة التاريخ نفسه، وتفكيك الرؤية الأوروبية المتغطرسة التي صاغته.
وفي الفصل الثاني، المعنون بـ" لي هاروود: العلاقة الدياليكتيكية بين المكان والفضاء"، يتخذ السلطاني من تجربة الشاعر البريطاني لي هاروود نموذجاً حياً ومحورياً لفهم ديناميكيات شعر الحداثة الذي تشكّل في مناخات الخمسينيات والستينيات الصاخبة.
ويُبرز بعمق أثر المدارس الأميركية الطليعية، لا سيما شعراء" مدرسة نيويورك" وموجات" البيت" (Beat Generation)، في صقل أدوات هاروود وتوسيع أُفقه التعبيري.
ويؤكد السلطاني أن شعر هاروود، منذ تباشيره الأولى، قام على بنية ثنائية تلتحم فيها ثنائية الانفتاح والانغلاق؛ حيث يتحول المكان الجغرافي المحدد، والضيق أحياناً، إلى فضاء شعري رحب يتسع للتأمل الإنساني.
هذا التمازج الجدلي يتبدى في رصد الشاعر التفاصيل البصرية والمشاهد العابرة، محولاً إياها إلى منصات تلاقٍ بين راهنية الحاضر المعيش بكل تفاصيله اليومية الملموسة، وثقل الماضي بذاكرته وظلاله التاريخية.
درسٌ مقارَن يمتد من ملحمية والكوت إلى عبثية أوهاراوفي الفصل الثالث والأخير، " فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة"، يبحر المؤلف في الفضاء الأميركي، ليقدم تجربة أوهارا بوصفها تجلّياً بارزاً لتيار ما بعد الحداثة.
ورغم أن القراءات النقدية السائدة تضع أوهارا ضمن" مدرسة نيويورك" المتأثرة بالدادائية والسريالية، فإن السلطاني يقدم رؤية مغايرة ترى في أوهارا ظاهرة أسلوبية مستقلة بذاتها، إذ تميز بشعرٍ يقترب من النثر اليومي العفوي، مسجّلاً تفاصيل الحياة العادية ببساطة مفرطة وعبثية مغلفة بالبراءة، هي عبثية تبدو حاضرة في رحيله المفاجئ، إثر حادث سير مأساوي عام 1966 وهو في الأربعين من عمره.
فاضل السلطاني شاعر وكاتب وصحافي عراقي من مواليد بابل عام 1948، تخرّج في جامعة بغداد حاصلاً على بكالوريوس في الأدب الإنكليزي، ونال الماجستير في الأدب الحديث من جامعة لندن.
استهلّ مسيرته المهنية في سبعينيات القرن الماضي بالعمل في صحيفة" طريق الشعب" ببغداد، قبل أن يغادر العراق عام 1977 متنقلاً بين المغرب والجزائر وسورية، حيث عمل في سلك التدريس والصحافة الثقافية، ليستقر في لندن منذ عام 1994.
من مجموعاته الشعرية: " النشيد الناقص" و" محترقاً بالمياه"، بالإضافة إلى ترجماته لقصص توني موريسون، ووليم تريفور، وقصائد ميروسلاف هولوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك