كلفت النيابة العامة المصرية فريقاً من الخبراء القانونيين والماليين بإجراء حصر شامل لكل الأصول السائلة والمنقولة، والتصرفات المالية التي أجراها رجل الأعمال صبري حنا نخنوخ، والتي ما زالت بحوزة شركاته وأبنائه وزوجاته وأسرته، بالتوازي مع القبض على 15 شخصاً من أعوانه وأبناء شقيقتيه وشقيقه.
ووفقاً لمصادر قضائية، إن إسراع النيابة العامة في إجراء عمليات الحصر ووضع يدها على ممتلكات وإمبراطورية نخنوخ والدائرة المحيطة به من أسرته ومعاونيه، جاء إجراءً احترازياً مواكباً لقرار محكمة جنايات القاهرة برفض استئناف نخنوخ لرفعه من قرار التحفظ على أمواله ومنعه من السفر الصادر الأحد الماضي، بعدما ظهرت مؤشرات على قيامه وبعض معاونيه بنقل بعض الأصول المالية إلى أطراف أخرى، بما يساهم في نقل أو إخفاء الأموال المتحفظ عليها.
وأكدت المصادر لـ" العربي الجديد" أن هذا الإجراء يستهدف الحفاظ على تلك الأصول لحين تحديد مصدرها القانوني، ومنع تهريب الأموال أو التصرف فيها قبل انتهاء الفصل النهائي في القضية، التي اتسع نطاقها بعد تجديد حبس نخنوخ لمدة 15 يوماً في تهم جديدة تتعلق بجرائم غسل أموال، والاتجار في السلاح والآثار، وعائدات نشاط إجرامي مزعومة.
قصة صعود إمبراطورية نخنوخألقت تطورات الأحداث بظلالها على قضية" الكينغ نخنوخ"، كما يطلق عليه مريدوه من كبار رجال الأعمال ومن المقاولين والفنانين والمسؤولين الذين ارتبطوا بإمبراطوريته الواسعة التي يديرها من مقر شركة" فالكون" القابضة للأمن والحراسات الخاصة ونقل الأموال، والتي تمتلك حالياً ثماني شركات تابعة تعمل في الإنتاج الإعلامي والعلاقات العامة والاستثمار السياحي وتجارة السيارات والعقارات والأراضي.
قبل أقل من ثلاث سنوات، ترأس صبري نخنوخ اجتماعاً ضم قيادات تلك الشركة القابضة وهي من أكبر شركات الأمن في مصر، وأسسها البنك التجاري الدولي وتحت رعاية جهات سيادية في الدولة منذ عام 2006 وتحت إدارة اللواء شريف خالد الذي حولها من شركة أمن خاصة إلى مؤسسة اقتصادية وأمنية ومالية ضخمة، وتولى مسؤوليتها من بعده اللواء سامح سيف اليزل، الضابط السابق في المخابرات الحربية المصرية، حتى وفاته عام 2016، حيث ظل اللواء خالد مديراً تنفيذياً لها حتى ظهرت أنباء متداولة عن استحواذ نخنوخ على مجموعة" فالكون" عام 2023، دون إفصاح رسمي عن قيمة الصفقة ولا أطرافها ولا عدد المساهمين بها، بينما تركت فرصة واسعة لوضع تقديرات لأصول الشركة تتراوح بين عشرات الملايين وعدة مليارات من الجنيهات، ودفع نخنوخ نحو 120 مليون جنيه لمساعدة الشركة على سداد ديون مستحقة عليها عن أنشطة سابقة.
في ذلك الوقت، كان ظهور نخنوخ على رأس مجموعة" فالكون" مزهواً بوجوده على مقعد أسلافه بشركة تضم عشرات من اللواءات والقيادات العسكرية والشرطية السابقة، وآلاف العاملين من خريجي الأجهزة الأمنية، كافياً لإثارة دهشة قطاع واسع من مجتمع الأعمال.
فالشركة التي تولت لسنوات حصرياً تأمين الجامعات العامة والخاصة، بعدما ألغى القضاء وجود الحرس الشرطي على أسوار المنشآت التعليمية وداخلها، وكذلك بنوك حكومية وخاصة ومؤسسات وسفارات ومنشآت حيوية، لم تكن مجرد شركة حراسة عادية، بل كانت رمزاً لقطاع كامل نما في مصر بعيداً عن الأضواء، وتداخلت معه اعتبارات الاقتصاد والأمن والنفوذ.
اليوم، وقد أصبح الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بقصص القوة والسطوة والعلاقات المتشعبة، يواجه تحقيقات جنائية واسعة يتعلق بعضها بجرائم جنائية عقوبتها الإعدام في حال ثبوتها كالاغتصاب بالإضافة إلى اتهامات أخرى منها حمل أسلحة من دون ترخيص وغسل الأموال، استدعت من عضو لجنة الدفاع عنه، المحامي أسامة أبو المجد، التراجع عن دوره مسؤولا في فريق الدفاع، مؤكداً في رسالة لـ" العربي الجديد" أنه وجد اتهامات موجهة ضد نخنوخ تجعله حريصاً على الابتعاد عن القضية لأنها تتعارض مع ما فهمه مع بداية عمل اللجنة القانونية، وتضع موكله في دائرة يصعب التصرف فيها، بينما تتوالى قرارات التحفظ على أموال وممتلكات مرتبطة به وبمحيطه، في تطور يراه مراقبون بداية لتفكيك واحدة من أكثر شبكات النفوذ إثارة للجدل في مصر الحديثة.
وُضع نخنوخ في محبس غير معلوم لوسائل الإعلام، وأكد بعض أقربائه لـ" العربي الجديد" أنه يقع بمدينة 15 مايو جنوب العاصمة، حيث مُنعوا من التواصل معه أو تسليمه الأدوية ومستلزماته اليومية بأنفسهم منذ ألقت قوات خاصة القبض عليه أثناء سفره مطلع الأسبوع إلى مدينة الإسكندرية؛ حيث صادرت سيارته" الكاديلاك" الفاخرة، ومبلغ مليوني جنيه كان بحوزته لشراء فيلا في الساحل الشمالي، بالإضافة إلى ساعات ألماس والذهب الذي يرتديه عادة في رقبته ويديه، في الوقت الذي أُلقي فيه القبض على ابن شقيقه بالطريقة نفسها.
قصة نخنوخ لم تكن يوماً مجرد قصة رجل أعمال من الطراز الكلاسيكي، ولم تكن قضية القبض عليه مجرد واقعة جنائية عادية؛ فمنذ اللحظة الأولى لانتشار خبر توقيفه، بدا واضحاً أن المصريين لا يتابعون مشاجرة أو نزاعاً عقارياً أو خلافاً مالياً.
ووفقاً لما يتداوله ملايين المصريين على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن اختفاء نخنوخ، الحليف القوي للسلطة في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك والنظام الحالي، يعكس" سقوط أسطورة"، أو بالأحرى سقوط صورة ظلت حاضرة في الوعي المصري لأكثر من عقدين.
بدا الرجل دائماً أكبر من تعريفات رجل الأعمال التقليدي؛ ففي الوقت الذي صنع فيه رجال أعمال آخرون أسماءهم من المصانع أو البنوك أو شركات التطوير العقاري، صنع نخنوخ حضوره من شيء آخر أكثر غموضاً: من النفوذ، ومن القدرة على الوصول إلى قيادات الدولة، ومن شبكة العلاقات التي جعلت اسمه يتردد في عالم السياسة والاقتصاد والأمن والانتخابات والوسط الفني في آن واحد، ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول قضيته خلال أيام إلى ساحة تتصارع فيها روايات متعددة.
ومن قوة إمبراطورية نخنوخ قبل سقوطها نشرت وسائل إعلام محلية، في أوقات سابقة، عن رغبة إدارة صندوق الثروة السيادي في مصر الذي يترأسه رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي وتديره وزارة الاستثمار، بضم شركة" فالكون" القابضة إلى أصول الصندوق، لافتة إلى أن رفض نخنوخ الموافقة على هذه الصفقة وراء تحويل قضية المشاجرة إلى الاتهامات الجنائية الجديدة التي تلاحقه، والتي تدفعه ومن حوله إلى الخروج من المشهد للأبد.
ورغم نفي إدارة الصندوق وجود تلك الصفقة أو أي علاقة لها بشركة فالكون في بيان رسمي وزعته الاثنين الماضي، فإن الملاحقة السريعة لـ" الكينغ نخنوخ" تظهر ضغوطا شديدة من جهات عليا من أجل إبعاده عن تلك الإمبراطورية التي لديها تراخيص بحمل أسلحة وإدارة أموال طائلة سائلة لحساب البنوك وشركات الدولة، في إطار معركة يصفها مصريون على وسائل التواصل بـ" معركة صفرية" يديرها من يرغب في وضع نهاية للإمبراطور الذي تضخم لحدود جعلته رمزا لرجال الأعمال الجدد، ممن يحيطون أنفسهم بأسلحة غير مصرح بوجودها.
مليشيات شبه عسكرية وصراع نفوذهناك رواية رسمية تتحدث عن وقائع جنائية محددة تخضع لتحقيقات النيابة، يجري ترويجها بين وسائل الإعلام الرسمي بأوامر وبقوة، في إطار سيادة دولة القانون وعدم السماح بأي مليشيات شبه عسكرية تدير المشهد الأمني بعيداً عن سلطات الدولة؛ بينما الرواية الشعبية الأكثر انتشاراً ترى في القضية فصلاً جديداً من قصة طويلة عن الصراع الدائر خلف الجدران بين القوى النافذة وبين المال والسلطة والنفوذ في مصر.
بين الروايتين المتناقضتين، يتكرر السؤال في أحاديث رجال الأعمال وعلى منصات التواصل الاجتماعي: كيف وصل" الكينغ نخنوخ"، ابن" حنا" تاجر الخردة في منطقة سوق السبتية وسط القاهرة، الذي تحول في ريعان الشباب إلى مشاغب وقائد مليشيا خاصة لفض المنازعات بين التجار بالترهيب والقوة، إلى رجل يدير شبكة واسعة لحراسة الأندية الليلية بشارع الهرم، ليتحول إلى صديق للفنانين والمقاولين الذين استعانوا به لحمايتهم من أعمال البلطجة والحفاظ على استثماراتهم من الأغيار؟ ثم كيف تحول إلى رجل الدولة في عهد آخر وزير داخلية والأقوى في عهد مبارك، اللواء حبيب العادلي، الذي كان يعتبره" وزير داخلية الشارع"، لتوظيفه في مواجهة المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير 2011، وهو الأمر الذي عرضه لملاحقات بالسجن لمدة 28 عاماً، قضى منها أقل من ست سنوات، ليعود بقرار عفو رئاسي، ويتحول إلى" إمبراطور يدير إمبراطورية من المؤسسات الأمنية والمالية والاقتصادية"، ويمتلك شخصياً عشرات العقارات والفيلات وملايين الجنيهات والسيارات التي يحب أن تحمل حروف" ب ط ل" و" ج ب ل" ذات أرقام أحادية، أو تحمل تاريخ ميلاده وعدد أبنائه؟يرى خبراء مال وأعمال أن قضية نخنوخ تتعلق بمسار اقتصادي كامل تشكل في مصر خلال العقود الأخيرة، تديره الدولة من خلف الستار بدعم سياسي وسلطوي كبير، جعل نخنوخ يتغنى باسمه الفنانون في قاعات الأفراح التي تديرها المؤسسات السيادية بأنه" كينغ مصر والعالم"، في مشهد مصور مثير ومتكرر حيث يلقي الإمبراطور بسخاء بالأموال على كل من حوله.
يشير الخبراء الذين تحدثوا لـ" العربي الجديد" إلى أنه في كل مرحلة من مراحل التحول الاقتصادي كانت تظهر شخصيات جديدة تعكس طبيعة المرحلة؛ منها رجال صناعة بنوا مصانع ومناطق إنتاج، ومنهم مطورون عقاريون بنوا مدناً كاملة، مارس بعضهم الفساد وسبق لأحدهم محاكمته بالقتل، وظهر مستثمرون صنعوا ثرواتهم من التجارة والخدمات (بعضها غير معلوم المصدر).
لكن إلى جوار هؤلاء جميعاً، ظهر نموذج مختلف، وهو نموذج" رجل النفوذ" الذي لا يمكن فهم مصدر ثروته أو مكانته من خلال ميزانيات الشركات وحدها، ولا من خلال حجم الأصول فقط، بل من خلال شبكة العلاقات التي تحيط به.
وهنا تحديداً تبدأ قصة نخنوخ قبل أن يرتبط اسمه بشركة أمن عملاقة، فيتحول إلى صاحب استثمارات وعقارات ومزارع وشركات، ويصبح مادة دائمة للجدل الإعلامي والسياسي.
كان نخنوخ مجرد اسم معروف في دوائر محدودة داخل القاهرة، لكن السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك شهدت صعوداً متسارعاً للرجل، ومع كل خطوة كان الجدل يكبر، إلى أن جاءت ثورة يناير 2011، فخرج الاسم من الدوائر المغلقة إلى المجال العام، وأصبح نخنوخ جزءاً من السردية السياسية المصرية.
وبغض النظر عن دقة أو مبالغة كثير من الروايات التي أحاطت به آنذاك، فإن النتيجة كانت واحدة وهي تحول الرجل إلى رمز وفكرة وصورة ذهنية جعلت منه بطلاً شعبياً في أذهان الكثيرين، بل" ملكاً متوجاً" في رأي من حوله، يعلنون وجوده في أماكن تُدار من أعلى السلطات بالدولة.
عندما أُلقي القبض على نخنوخ عام 2012، اعتقد كثيرون أن قصة" إمبراطور البلطجة" قد انتهت مع الصور التي خرجت من منزله آنذاك، والأسلحة المضبوطة، والحيوانات المفترسة، والقضايا التي واجهها والتي بدت وكأنها المشهد الأخير؛ لكن ما حدث لاحقاً كان أكثر إثارة، فقد عاد الرجل إلى السوق والأعمال مع توسيع نفوذه الاقتصادي، بل إن بعض رجال الأعمال يقولون إن سنوات ما بعد خروجه من السجن شهدت أكبر توسع اقتصادي مرتبط باسمه.
قادة عسكريون وأمنيون سابقون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك