بعد أعوام طويلة من الشح المائي وتراجع الإيرادات من دول المنبع، يعيش العراق اليوم مشهداً مغايراً لما اعتاده خلال العقد الأخير.
فبدلاً من التحذيرات المتكررة من انخفاض المناسيب وجفاف الأنهار، بات الحديث يدور عن موجات مائية كبيرة تتدفق عبر نهر الفرات قادمة من تركيا مروراً بسوريا، حاملة معها فرصة نادرة لتعزيز الخزين الاستراتيجي وإعادة رسم جزء من المشهد المائي الذي أثقلته الأزمات المناخية والإقليمية.
ومع ارتفاع مناسيب الفرات في مناطق واسعة من الأنبار ووصول موجات مائية كبيرة إلى الأراضي العراقية، انقسمت الآراء بين من ينظر إلى التطورات بوصفها فرصة تاريخية لتعويض جزء من الخسائر المائية المتراكمة، وبين من يحذر من أن سوء الإدارة أو غياب التخطيط قد يحول الوفرة إلى مشكلة جديدة.
لكن المؤكد أن العراق يقف اليوم أمام اختبار مختلف، فبعد أعوام من إدارة الندرة، أصبح مطالباً بإدارة الوفرة.
من الجفاف التاريخي إلى الوفرة المفاجئةعلى مدى الأعوام الماضية، واجه العراق واحدة من أعنف الأزمات المائية في تاريخه الحديث.
فقد تراجعت التدفقات المائية من دول المنبع، وانخفضت معدلات الأمطار بصورة ملحوظة، فيما أدت موجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة معدلات التبخر واستنزاف الموارد المائية المتاحة.
وأشارت بيانات رسمية سابقة إلى أن الإيرادات المائية في بعض الأعوام انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تراجع الخزين المائي في السدود والخزانات إلى نسب متدنية أثارت مخاوف واسعة في شأن مستقبل الأمن المائي والغذائي في البلاد.
وخلال تلك الفترة اضطرت وزارة الموارد المائية إلى اعتماد إجراءات تقشفية في توزيع المياه، وتقليص الخطط الزراعية، وتحديد مساحات الزراعة الصيفية والشتوية، مما انعكس مباشرة على الواقع الزراعي والاقتصادي داخل عدد من المحافظات.
لكن المشهد بدأ يتغير تدريجاً خلال الأشهر الأخيرة مع تحسن الموسم المطري في تركيا وسوريا وارتفاع كميات الثلوج المتراكمة في أعالي حوض الفرات، مما أدى إلى امتلاء عدد من السدود الكبرى وارتفاع مناسيب الخزانات المائية في دول المنبع.
ومع زيادة الخزين المائي هناك، بدأت الجهات المشغلة للسدود بإطلاق كميات إضافية من المياه باتجاه مجرى الفرات، لتصل تباعاً إلى الأراضي السورية ثم العراقية.
سوريا تواجه الفيضانات والعراق يستعد للاستفادةفي وقت كانت خلاله بعض المناطق السورية، ولا سيما داخل محافظتي الرقة ودير الزور، تواجه آثار ارتفاع مناسيب الفرات، كانت المؤسسات العراقية تتابع المشهد من زاوية مختلفة.
ففي سوريا، تسببت الزيادة المفاجئة في تدفقات المياه بغمر آلاف الدونمات الزراعية وخروج عشرات محطات المياه عن الخدمة، إضافة إلى تضرر بعض الجسور والبنى التحتية القريبة من مجرى النهر.
وأعلنت الجهات السورية المتخصصة تنفيذ عمليات إخلاء احترازية في عدد من المناطق المنخفضة، مع استمرار حال التأهب على امتداد مجرى الفرات.
أما في العراق فتعاملت المؤسسات المعنية مع التطورات بوصفها فرصة لتعزيز الخزين المائي أكثر من كونها تهديداً مباشراً.
ويرى مسؤولون وخبراء أن الفارق الأساس بين الحالتين العراقية والسورية يعود إلى طبيعة بنية التخزين المتوافرة داخل العراق، والتي تتضمن منظومة واسعة من السدود والخزانات والبحيرات الاصطناعية القادرة على استيعاب كميات ضخمة من المياه.
وخلال زيارة أجراها إلى سد حديثة، أكد وزير الموارد المائية مثنى التميمي أن المؤسسات المتخصصة أتمت استعداداتها الفنية والإدارية للتعامل مع الموجة المائية المتدفقة عبر الحدود السورية.
وأوضح التميمي أن" التصاريف الحالية التي تصل إلى نحو 700 متر مكعب في الثانية تقع ضمن الحدود الطبيعية ولا تشكل خطراً على المناطق السكنية أو المنشآت الحيوية".
وأشار إلى أن" الوزارة تنظر إلى التطورات الحالية باعتبارها فرصة مهمة لتعزيز إدارة الموارد المائية ورفع الخزين الاستراتيجي بعد أعوام من التراجع".
وكشف الوزير عن توجه لاستثمار الخزين المائي المتوافر حالياً في إيصال مياه الشرب الخام إلى مناطق تعاني نقصاً مزمناً في أربع محافظات، هي بابل والديوانية والمثنى وذي قار.
وأكد أن الوفرة الحالية ستستثمر وفق خطط مدروسة تضمن وصول المياه إلى المناطق المحرومة دون التأثير في المخزون الاستراتيجي.
سد حديثة.
خط الدفاع الأوليحتل سد حديثة موقعاً محورياً في منظومة إدارة المياه العراقية، إذ يعد أول منشأة تخزين رئيسة تستقبل موجات المياه المندفعة عبر نهر الفرات.
ويؤكد خبراء أن السد يمتلك قدرة كبيرة على استيعاب الكميات الواردة، وبخاصة أن المخزون الحالي لا يزال أقل بكثير من الطاقة التصميمية للخزان.
ويقول المتخصص المائي عدي محمد الربيعي إن" الحديث عن أخطار فيضانية واسعة داخل العراق لا يستند إلى معطيات فنية دقيقة"، موضحاً أن" الفراغ الخزني في حوض الفرات يمتد من بحيرة حديثة وصولاً إلى منخفض الحبانية، ويصل إلى عشرات المليارات من الأمتار المكعبة".
ويشير إلى أن" موجات المياه الحالية جاءت نتيجة امتلاء السدود التركية بعد موسم مطري غني، مما دفع الجهات المشغلة إلى تمرير الفوائض باتجاه سوريا والعراق".
ويؤكد أن" المنظومة الخزنية العراقية قادرة على استيعاب التدفقات الحالية حتى لو استمرت لأسابيع طويلة".
من جانبه، يربط المتخصص المائي رمضان حمزة التحسن الحالي بظروف مناخية استثنائية شهدها حوض الفرات هذا العام.
ويقول إن الموسم الحالي يعد من أكثر المواسم رطوبة خلال الأعوام الأخيرة، نتيجة وفرة الأمطار وذوبان الثلوج في مناطق المنبع.
ويرى أن" هذه الظروف منحت العراق فرصة نادرة لتعويض جزء من العجز المائي الذي تراكم خلال أعوام الجفاف"، مضيفاً أن" عودة المياه بهذا الحجم إلى مجرى الفرات أسهمت في استعادة جزء من التوازن الهيدرولوجي للنهر بعد أعوام من الانخفاض الحاد في المناسيب".
ويتوقع أن ينعكس ذلك إيجاباً على القطاع الزراعي والواقع البيئي في مناطق عدة من البلاد.
وعلى رغم حال الاطمئنان الرسمية، يواصل المتخصصون دراسة سيناريوهات مختلفة للتعامل مع أي زيادات إضافية محتملة.
ويؤكد مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه طورهان المفتي أن" العراق يمتلك شبكة تخزين متكاملة قادرة على استيعاب أي زيادة متوقعة"، مشيراً إلى أن" بحيرة حديثة تمثل المرحلة الأولى في منظومة الاستيعاب، تليها بحيرتا الحبانية والرزازة، ثم منخفض الثرثار، فضلاً عن إمكانية توجيه المياه نحو الأهوار الجنوبية".
ويصف الموسم الحالي بأنه" عام رطب" وليس" عام فيضان"، مؤكداً أن" البلاد تمتلك القدرة الفنية والإدارية اللازمة للتعامل مع التطورات الحالية".
الزراعة.
المستفيد الأكبرويبدو القطاع الزراعي في مقدمة المستفيدين من التحسن المائي الحالي، إذ إنه خلال الأعوام الماضية أجبرت ندرة المياه السلطات على تقليص المساحات الزراعية داخل عدد من المحافظات، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج المحلي لبعض المحاصيل الاستراتيجية.
لكن زيادة الخزين المائي تفتح المجال أمام توسيع الخطط الزراعية خلال المواسم المقبلة.
ويقول عضو لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية بايز الزراري إن" الجهات المتخصصة قررت تأجيل بعض الإطلاقات الزراعية بهدف زيادة الخزين الاستراتيجي أولاً، ومن ثم الاستفادة منه في دعم المواسم الزراعية المقبلة".
ويؤكد أن" إدارة الموجة الحالية بصورة صحيحة قد تشكل نقطة تحول مهمة في ملف الأمن الغذائي العراقي".
لا يقتصر أثر الوفرة المائية على الزراعة فحسب بل يمتد إلى النظام البيئي العراقي بأكمله، فالأهوار الجنوبية التي عانت خلال الأعوام الماضية تراجعاً حاداً في مناسيب المياه وارتفاع نسب الملوحة، قد تكون من أبرز المستفيدين إذا ما جرى توجيه جزء من الفوائض إليها.
ويؤكد خبراء البيئة أن زيادة الإطلاقات المائية نحو الأهوار يمكن أن تسهم في إنعاش التنوع الحيوي وتحسين الظروف المعيشية للسكان المحليين، الذين يعتمدون على البيئة المائية في أنشطتهم الاقتصادية.
وقد يساعد ارتفاع المناسيب على تقليل تأثيرات التصحر والعواصف الترابية التي ازدادت حدتها خلال الأعوام الأخيرة.
فرصة استراتيجية أم استراحة موقتة؟وعلى رغم التفاؤل الذي يرافق التحسن الحالي، يحذر متخصصون من التعامل معه باعتباره نهاية للأزمة المائية، فالعراق لا يزال من أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية، وما زالت موارده المائية تعتمد بدرجة كبيرة على القرارات والإجراءات المتخذة في دول المنبع.
ويرى مراقبون أن الحدث الأبرز لا يتمثل في كمية المياه الواصلة بحد ذاتها، بل في قدرة العراق على تحويل هذه الكميات إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد.
فالدول لا تُقاس قدرتها فقط بكيفية مواجهة الأزمات، بل أيضاً بكيفية استثمار الفرص.
وبينما تتدفق المياه عبر الفرات بعد أعوام من الانحسار، يجد العراق نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة بناء جزء من أمنه المائي وتعزيز خزاناته ودعم قطاعه الزراعي، وإنعاش بيئته الطبيعية.
لكن نجاح هذه المهمة سيعتمد على الإدارة والتخطيط أكثر مما يعتمد على كمية المياه نفسها.
فإذا أحسن استثمار الوفرة الحالية، فقد تشكل بداية مرحلة جديدة في إدارة الموارد المائية العراقية، أما إذا ضاعت الفرصة وسط الهدر وسوء التخطيط، فقد تتحول إلى مجرد محطة عابرة في تاريخ طويل من الأزمات المائية التي لم تنته بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك