عمر القاضي.
ضابط شاب اختار أن يكون في الصفوف الأولى حيث الخطر الحقيقي، لم يبحث عن الأضواء أو البطولة، لكنه آمن بأنّ حماية الوطن شرف يستحق أن يُدفع من أجله العمر كله، فكانت نهايته شهيدًا مدافعًا عن الأرض والعلم.
وجاءت بطولته بالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو، التي استعادت فيها مصر دولتها وواجهت بعدها موجات الإرهاب الأسود بكل قوة، حيث وقف رجال الجيش والشرطة على خطوط النار في معركة طويلة لحماية الوطن من مخططات الفوضى والهدم، وكان عمر القاضي واحدًا من الأبطال الذين كتبوا بدمائهم فصول الانتصار.
كان يؤمن أنّ الواجب لا يعرف عيدًا أو إجازة، لذلك بينما كان المصريون يستعدون لصلاة عيد الفطر واحتفالاته صباح الخامس من يونيو 2019، كان هو مرابطًا داخل الارتكاز الأمني «بطل 14» بشمال سيناء يؤدي مهمته كعادته.
ومع انطلاق تكبيرات العيد، تعرض الارتكاز لهجوم إرهابي غادر من عناصر تكفيرية حاولت اقتحامه والسيطرة عليه، إلا أنّ عمر القاضي ورفاقه تصدوا للهجوم بكل شجاعة وثبات.
خاض الشهيد معركة بطولية حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وتمكن من القضاء على عدد من العناصر الإرهابية خلال الاشتباكات، رافضًا التراجع أو ترك موقعه رغم شراسة الهجوم.
وفي لحظات ستظل خالدة في ذاكرة المصريين، دوّى صوته عبر أجهزة الاتصال قائلًا: «قولوا لأمي ابنك مات راجل».
كلمات خرجت من قلب مقاتل أدرك أنّ الشهادة باتت قريبة، لكنه كان مطمئنًا لأنه يؤدي واجبه حتى النهاية، كما أوصى زملاءه بالتمسك بالكمين ومواصلة القتال وعدم السماح للإرهابيين بتحقيق هدفهم، ليجسد أروع معاني التضحية والفداء والانتماء للوطن.
ظل يقاتل حتى آخر طلقة، وتمكن من القضاء على 4 عناصر تكفيرية قبل أن يرتقي شهيدًا في صباح العيد، ليصبح منذ ذلك اليوم «عريس العيد» وأحد أبرز رموز البطولة في مواجهة الإرهاب.
كان عمر ابن محافظة المنوفية وأصغر أشقائه، تخرج في كلية الشرطة عام 2017، واستشهد بعد عامين فقط من تخرجه وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره.
ترك وصية لأسرته بألا يحزنوا إذا جاءهم نبأ استشهاده، كما عبّر عن شوقه للقاء والده الذي رحل قبل سنوات، وكأن قلبه كان مهيئا للشهادة منذ وقت طويل.
وبعد شهر من استشهاده، تبيّن أنّه كان متقدمًا للعمل بهيئة قضايا الدولة، لتقرر الهيئة تكريم أسرته ومنحها درع الهيئة والعضوية الشرفية بأحد أنديتها تقديرًا لتضحيته.
وخلال حفل تخريج دفعة كلية الشرطة عام 2019، كرّم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والدة الشهيد، وأطلق اسم عمر القاضي على الدفعة تخليدًا لذكراه.
رحل عمر القاضي، لكن كلماته الأخيرة بقيت حيّة في وجدان المصريين، شاهدة على عقيدة رجال الشرطة والجيش الذين واجهوا الإرهاب دفاعًا عن وطنهم.
لم يكن يبحث عن بطولة أو شهرة، لكنه أصبح رمزًا للشجاعة والتضحية، وبقيت حكايته تروى للأجيال باعتبارها واحدة من أنصع صفحات الفداء في تاريخ مصر الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك