قياساً بأهمية تجربته وخصوصيتها في السردية الفلسطينية، يبدو حضور الكاتب الفلسطيني حسين البرغوثي في اللغات الأخرى متواضعاً، إذ لم تُنقل من أعماله إلى الإنكليزية إلا عناوين قليلة، رغم تنوّع كتابته بين الرواية والسيرة والشعر والنقد.
وآخر أعماله المترجمة كتابه" الضفة الثالثة لنهر الأردن"، الذي صدر عن دار سيغل في لندن، بترجمة آثر البرغوثي، وهو ثالث أعمال البرغوثي التي تصدر عن الدار بعد" سأكون بين اللوز" (2022)، و" الضوء الأزرق" (2023).
تتناول الرواية تجربة الغربة والمنفى من خلال سنوات دراسة البرغوثي في هنغاريا، وتأتي في صيغة رسالة طويلة إلى حبيبته دانا، مستعيداً أماكن عاش فيها، وأشخاصاً التقاهم، ومحطات من حياته بين فلسطين وأوروبا.
كما يشير عنوان الرواية إلى ضفة ثالثة لا وجود لها في الجغرافيا الفلسطينية، إذ لنهر الأردن ضفتان معروفتان.
أما الضفة الثالثة التي يحيل إليها نص البرغوثي، فهي المنفى الذي عاشه الفلسطيني بعيداً عن وطنه، إذ تعرض الرواية أثر هذا الابتعاد في الذاكرة والعلاقات.
ويكتب البرغوثي عن فلسطيني يرى المدن الجديدة بعين من فقد أرضه، وعن شخصيات تعيش بين التنقّل والحنين والبحث عن مكان آمن.
وفي سياق فقدان المكان الأول، تصبح اللغة وسيلة لحفظ صورة الوطن والحب والأمكنة التي عبرها، وذلك بأسلوب سردي يجمع بين السيرة والرواية.
يقدّم هذا العمل جانباً مبكراً من تجربة حسين البرغوثي السرديّة، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي تكرّر لاحقاً في أعمال مثل" الضوء الأزرق"، و" سأكون بين اللوز".
وقد صدرت الطبعة الأولى من الرواية عام 1984، ثم أعيد إصدارها في طبعات عربية عديدة، آخرها طبعة الدار الأهلية في عمّان عام 2017.
تتناول الرواية حكاية المنفى الذي عاشه الفلسطيني بعيداً عن وطنهوينتمي البرغوثي إلى جيل من الكتاب الفلسطينيين الذين انشغلوا بتساؤلات أنتجتها هزيمة عام 1967، غير أن نصوصه تقارب القضية الفلسطينية من زاوية تجربة الأفراد، حيث يظهر الفرد لديه قلقاً، وتتداخل حكايته مع حكاية المكان الذي يبدو قصياً ومحتلاً.
كما ينتمي أسلوبه إلى كتابة تيار الوعي، خاصة في هذا العمل، حيث تتداعى الأمكنة التي كان يألفها في حيفا وبيروت والقدس من الذاكرة، وفي رسالة طويلة يكتبها وهو هائم في شوارع أوروبا الشرقية، منشغلاً بتفكيك انتمائه إلى ما يدعوها" المدن الخائفة".
ولد حسين البرغوثي في قرية كوبر قرب رام الله عام 1954، وتوفي عام 2002.
درس في بودابست، ثم في جامعة بيرزيت، قبل أن يتابع دراساته العليا في الأدب المقارن في جامعة واشنطن في سياتل.
وعمل لاحقاً في التدريس الجامعي في فلسطين، وشارك في الحياة الثقافية عبر الكتابة والتحرير والعمل المؤسسي، ومن ذلك عضويته في بيت الشعر الفلسطيني واتحاد الكتّاب الفلسطينيين، وعمله في مجلات ثقافية فلسطينية.
وقد ترك البرغوثي تجربة كتابيّة متعددة، شملت الرواية والشعر والنقد والسيرة والمسرح والكتابة الغنائية والسيناريو.
ومن أبرز أعماله" الضوء الأزرق"، و" سأكون بين اللوز"، و" حجر الورد"، و" الفراغ الذي رأى التفاصيل".
ويمزج في نصوصه السيرة بالتأمل، واليومي بالفلسفي، والذاكرة الشخصية بالسياق الفلسطيني العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك