شهدت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة أزمة سكن أخذت تتفاقم بشكل واضح لتتحول من مجرد مشكلة عقارية إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية تهدد الحكومة الإسبانية والاستقرار المعيشي لفئات واسعة من المجتمع، ولا سيما فئة الشباب والمهاجرين.
وكشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة" BBVA" ومعهد البحوث الإسباني في فالنسيا، أن مشكلات السكن وتكاليفه صارت العامل الأبرز في رفع معدل الفقر.
ويشير التقرير إلى أن نسبة الأسر الشابة الموجودة تحت خط الفقر ارتفعت من 24.
5% إلى 32.
9%، وهو الأمر الذي يعكس ثقل العبء الذي تفرضه الإيجارات وأقساط العقارات على هذه الفئة الاجتماعية.
أما بالنسبة إلى أسر المهاجرين، فتصل النسبة بينهم إلى ما يقرب من 53%، وهو ما يُعدُّ مؤشراً خطيراً يدل على حجم الخلل الاجتماعي الذي يرتبط بسوق العقارات في إسبانيا.
وترتبط أزمة السكن الحالية، وفقاً لمعدي الدراسة، بحالة عدم التوازن بين الطلب المرتفع على المساكن وبين قلّة العروض العقارية ومحدوديّتها.
فبين عامي 2021 و2025، على سبيل المثال، أُنشئ 454 ألف مسكن، في حين تأسست حوالي 965 ألف أسرة جديدة، مما يشير إلى أن السوق الإسبانية وفّرت أقل من نصف الاحتياجات السكنية المطلوبة على مدى تلك السنوات.
وأدى هذا النقص الواضح في العروض العقارية، بدوره، إلى ارتفاع دائم في أسعار الإيجار والبيع على حدٍّ سواء، لا سيما في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة وفالنسيا وإشبيلية، إضافة إلى المناطق السياحية التي تشهد في الفترة الأخيرة تزايداً في الطلب على السكن.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي فيرناندو باتشيكو في حديثه إلى" العربي الجديد"، إلى أن أزمة السكن في إسبانيا بدأت فعلياً قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وأنه منذ تلك الأزمة" بقيت قطاعات البناء بعيدةً، فعلياً، عن مستويات الإنتاج التي كانت سائدة آنذاك".
ويعود ذلك وفقاً للخبير الاقتصادي إلى" نقص اليد العاملة المتخصصة، إضافة إلى تعقيدات الإجراءات الخاصة بالتراخيص المرتبطة بالبناء، لا سيما في حالة إسبانيا، ذلك أن كل إقليم مستقل له قوانينه الخاصة، إضافة إلى غيرها من العوامل المرتبطة بالتغيرات الديمغرافية التي زادت الطلب على الشقق الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً أن الأسر الإسبانية من حيث العدد تُعدُّ صغيرة أو متوسطة، ونادراً ما تكون أسراً كبيرة".
ويشير التقرير إلى أن 56% من الأسر الإسبانية تتكون حالياً من شخص أو شخصين فقط، وقد أدت هذه الظاهرة الاجتماعية بدورها إلى تفاقم الأزمة السكنية أيضاً بسبب الحاجة إلى عدد أكبر من الشقق مقارنة بالماضي.
ويُعتبر الشباب الإسبان من أكثر الفئات الاجتماعية تضرراً من الوضع الراهن؛ ذلك أن سن الاستقلال السكني نسبياً أكثر ارتفاعاً مقارنة مع الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الإطار، يلفت العامل الاجتماعي فرانسيسكو سانشيز لـ" العربي الجديد": " إن الشباب الإسبان لا يستطيعون أن يتمتعوا بالاستقلال السكني قبل الثلاثين، ويعود ذلك إلى صعوبة الحصول على عمل، وانتشار الوظائف المؤقتة، واستحالة الحصول على تمويل عقاري دون عقود عمل دائمة، إضافة إلى الارتفاع الهائل لأسعار العقارات، إيجاراً كانت أم شراءً، بشكل يفوق معدل الدخل الشهري".
وقد رافق هذا الواقع الاجتماعي واقعٌ آخر هو تغير أنماط السكن بين الشباب.
فقد كان نحو 65% من الشباب قبل عام 2008 يمتلكون مساكنهم الخاصة، إلا أن هذه النسبة نزلت بشكل لافت في عام 2025 إلى ما يقرب من 40%.
أما نسبة الشباب الذين يعيشون في شقق مستأجرة فقد ارتفعت إلى ما يقرب من 50%.
وتشير إحصائيات التقرير إلى أن الشباب ينفقون على السكن ما يقرب من 29% من دخلهم، مقارنةً مع الفئات العمرية الأكبر سناً، وأن حوالي 20% من الشباب يحتاجون إلى 40% من منسوب دخلهم ليتمكنوا من تغطية نفقات السكن.
وتُعتبر هذه النسبة مؤشراً على ما يُدعى بـ" الإجهاد السكاني"، وفقاً للمعايير الاقتصادية الأوروبية.
أما بالنسبة لفئة المهاجرين، فإن أوضاعهم تبدو أكثر هشاشة، حيث يعيش 63% في مساكن مستأجرة، ولا تتجاوز نسبة المالكين 23%.
ويحاول التقرير أن يكشف أسباب انخفاض مستويات الدخل والادخار، إذ تُعدُّ معظم الوظائف التي يعمل فيها هذا القطاع الاجتماعي ذات أجر منخفض، وبسبب ذلك يعاني أكثر من ربع المهاجرين من أعباء السكن، ويُعتبر هذا المعدل ثلاثة أضعاف المعدل الوطني.
وفي العقدين الأخيرين، ومع زيادة صعوبة امتلاك العقارات، خصوصاً المنازل، شهدت إسبانيا في سوق الإيجار توسعاً واضحاً، حيث وصل عدد الأسر المستأجرة إلى ما يقرب من 3.
9 ملايين أسرة، وهو ما يشكل أكثر من 20% من الأسر الإسبانية.
وتظهر بشكل بارز الفجوة الاجتماعية لدى أصحاب الدخل المنخفض، الذين تصل نسبتهم إلى 30%، وأفاد التقرير بأنهم يخصصون أكثر من 40% من دخلهم للسكن.
ولا تتجاوز نسبة الوحدات أو المساكن الاجتماعية 3.
5% من إجمالي المساكن، مقارنة مع متوسط أوروبي يبلغ 8%.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك