تحولت الولايات المتحدة الأميركية إلى أكبر مُصدر للنفط في العالم، متجاوزة بذلك نظامًا تجاريًا استقر لعقود طويلة وهيمنت عليه المملكة العربية السعودية وروسيا.
ويحكم هذا التحول التاريخي قبضة الشركات الأميركية على أسواق الطاقة العالمية، في وقت تعيد فيه المواجهات العسكرية المستمرة بين واشنطن وطهران تشكيل خريطة تجارة الطاقة واللوجستيات الدولية.
ويمثل هذا الصعود تحولاً جذريًا لبلاد اعتمدت تاريخيًا على نفط الشرق الأوسط، وعانت قبل عقود من الحظر النفطي الذي فرضته دول أعضاء في منظمة أوبك عام 1973 ردًا على الدعم الأميركي لإسرائيل.
بدأت ملامح هذا التحول بعد عام 2010، إثر الارتفاع القياسي في إنتاج النفط والغاز من التكوينات الصخرية الأميركية، مما جعل واشنطن أكبر منتج للغاز ثم النفط عالميًا.
وتزامنًا مع تعطل الصادرات النفطية السعودية جراء الحرب الأميركية الإيرانية منذ فبراير/شباط 2026، وتراجع الصادرات الروسية تحت وطأة هجمات الطائرات الأوكرانية المسيرة والعقوبات المفروضة عليها بسبب حرب أوكرانيا، قفزت الولايات المتحدة إلى صدارة المصدرين عالميًا.
ووفقًا لبيانات شركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع السفن، ارتفعت الصادرات الأميركية من النفط الخام والوقود إلى نحو 10.
5 مليون برميل يوميًا في شهر مايو/أيار الماضي، مدفوعة بزيادة الإنتاج وضخ كميات من الاحتياطي الاستراتيجي، لتسجل أميركا الصدارة العالمية للشهر الثالث على التوالي.
في المقابل، بلغت الصادرات الروسية 7 ملايين برميل يومياً في مايو/أيار، بينما سجلت الصادرات السعودية 5.
9 مليون برميل يوميًا بحسب بيانات «فورتيكسا».
وتظهر المقارنة تراجعًا عما كان عليه الوضع في عام 2025، حيث صدرت السعودية آنذاك حوالي 8.
1 مليون برميل يوميًا، مقابل 6.
6 مليون برميل يوميًا للولايات المتحدة، و5.
8 مليون برميل يوميًا لروسيا.
أكدت ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات في شركة «كيبلر» لتتبع السفن، أن واشنطن باتت تمتلك أداة نفوذ جديدة لم تكن تدرك أهميتها قبل الحرب الإيرانية وهي صادرات الطاقة.
ويُتوقع أن يؤدي هذا النفوذ إلى إضعاف قدرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفائها على التحكم في الأسعار، وهي المنظمة التي طالما انتقدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتهمة التلاعب بالأسواق، كما تلقت المنظمة ضربة قوية في مايو/أيار الماضي إثر انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة منها بعد عضوية دامت نحو ستين عامًا.
ويمنح هذا المركز المتقدم واشنطن أوراق ضغط قوية في محادثاتها مع الحلفاء والمنافسين على حد سواء، ليضاف إلى تفوقها العسكري وهيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية.
وأوضحت بروهارد أن اعتماد دول عدة على الولايات المتحدة للتزود بالنفط والغاز يبرز حجم هذا التأثير، مشيرة إلى أن واشنطن أصبحت المورد الأول للنفط الخام إلى أوروبا والثاني للمقطرات.
في هذا السياق، بدأ مسؤولو الاتحاد الأوروبي -الذين رحبوا سابقًا بالطفرة الأميركية كبديل للإمدادات الروسية والشرق أوسطية- في إبداء التحفظ والتحذير من مخاطر الاعتماد المفرط على الشركات الأميركية، تزامنًا مع الخلافات الراهنة بين بروكسل وواشنطن بشأن التعريفات الجمركية واللوائح البيئية.
من جانبها، أبدت موسكو إحباطها من هذه التحولات، حيث صرح إيغور سيتشين، رئيس شركة «روسنفت» النفطية المملوكة للكرملين وأحد المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين، بأن شركات الطاقة الأميركية تعد المستفيد الأكبر من إغلاق مضيق هرمز.
كشفت البيانات الميدانية أن السعودية وروسيا تخلفتا عن طفرة نمو الإنتاج الأميركي قبل وقت طويل من اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية.
وتضاعف إنتاج النفط الخام والسوائل في الولايات المتحدة ثلاث مرات تقريبًا ليصل إلى نحو 22 مليون برميل يوميًا منذ عام 2000.
في المقابل، استقر الإنتاج السعودي بين 10 ملايين و12 مليون برميل يوميًا بين عامي 2000 و2026 محكومًا بحصص «أوبك».
أما روسيا، فقد ارتفع إنتاجها من 6 ملايين إلى 10 ملايين برميل يوميًا بين عامي 2000 و2010، ثم زاد بمقدار مليوني برميل إضافيين خلال العقد التالي، لكنه شهد ركودًا واضحًا وانخفض إلى أقل من 10 ملايين برميل يوميًا منذ عام 2020.
ومع ارتفاع الطلب العالمي على النفط إلى 104 ملايين برميل يوميًا العام الماضي مقارنة بـ 87 مليون برميل في عام 2010، يتضح أن طفرة النفط الأميركية هي التي لبت الجزء الأكبر من نمو الطلب العالمي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وكان إلغاء الولايات المتحدة لحظر التصدير الذي دام أربعين عامًا في عام 2015 -والذي فرضته عقب حظر عام 1973- بمثابة الضوء الأخضر لتدفق إنتاجها عالميًا، لتثبت بعد عشر سنوات خطأ التوقعات التي أفادت بأن هذا النمو سيكون قصير الأجل وأن الحقول في طريقها للنضوب.
على النقيض من الآلية المتبعة في السعودية وروسيا، حيث تتدخل الحكومات كليًا أو جزئيًا في تحديد مستهدفات الإنتاج والتصدير، فإن الطفرة الأميركية محكومة بقرارات الشركات الخاصة التي تحركها الأرباح وقوى السوق الحرة.
وأشار كينيث ميدلوك الثالث، الباحث في اقتصاديات الطاقة بمعهد «بيكر» للسياسة العامة، إلى أن الشركات الأمريكية تستجيب لارتفاع الأسعار بزيادة الإنتاج مما يسهم في خفضها، بينما تعمد إلى خفض الإنتاج عند تراجع الأسعار مما يدفعها للارتفاع.
ووصف ميدلوك هذا السلوك بأنه يؤدي دورًا شبيهًا بما تقوم به منظمة «أوبك» والسعودية عبر طاقة الإنتاج الفائضة، لكنه يتبع آلية السوق الحرة بدلاً من كونه أداة استراتيجية موجهة.
وعلى صعيد الوجهات التصديرية، عمقت الدول الأوروبية اعتمادها على الإمدادات الأميركية منذ اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022، حيث استأثرت القارة الأوروبية بنحو 47% من إجمالي صادرات النفط الأميركية خلال العام الحالي، مقارنة بـ 37% في عام 2021.
في الوقت نفسه، بدأت الأسواق الآسيوية -التي كانت تعتمد تاريخيًا على الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها من الخام- في تحويل بوصلتها نحو واشنطن، إذ استحوذت آسيا على نحو 46% من صادرات النفط الأميركية في مايو/أيار الماضي، مقارنة بنحو 37% في العام الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك