بينما يترقب العالم حفل افتتاح مونديال 2026، مساء اليوم الخميس، والذي يليه اللقاء الافتتاحي بين المكسيك وجنوب أفريقيا، تعود إلى أذهان عشاق كرة القدم مشاهد لا تنسى من أول نسخة استضافتها الولايات المتحدة عام 1994، وما رافقها من أحداث مأساوية لا تزال عالقة في الذاكرة.
وفي ظل تزايد المخاوف من احتمال تأثر مباريات النسخة الحالية بتوقفات أو اضطرابات مناخية بسبب العواصف، على غرار ما حدث خلال النسخة الأخيرة من كأس العالم للأندية التي استضافتها الولايات المتحدة، تعود إلى الواجهة مجددا مخاوف الطقس وتأثيره على سير المنافسات.
لكن تظل مشاهد مونديال 1994 حاضرة في الذاكرة، لتفرض نفسها بعدما عادت البطولة إلى الأراضي الأميركية.
وفي عام 1994 كان العالم على موعد مع الاستضافة الأولى للولايات المتحدة الأميركية للمونديال.
كانت هذه البطولة هي الأولى بعد زلزال تاريخي تمثل في سقوط وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الشرقية بأكملها وعودة ألمانيا كدولة موحدة.
في تلك الأثناء، كانت الولايات المتحدة منذ تأسيس البطولة في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تحظ باستضافة المونديال، لأسباب أهمها أن كرة القدم ليست في دائرة اهتمامات الشارع الأميركي الرياضي الذي يهتم أكثر بكرة القدم الأميركية والرجبي والبيسبول.
وعلى رغم المخاوف، لم تفشل البطولة وحققت نجاحا كبيرا فنيا وإقبالا جماهيريا، وربما كانت هذه مجموعة من أبرز مشاهدها.
وسط أحداث المونديال الأميركي الأول، صدح معلق إحدى المباريات بصوت عميق مذهول «فاكرين اللاعب إسكوبار لاعب كولومبيا اللي جاب جون في نفسه؟ اللعيب ده اتقتل النهاردة»!قبل البطولة، راهن الكثيرون أن منتخب كولومبيا سيمضي بعيدا في البطولة، لكنه خرج من الدور الأول.
في المباراة الأولى خسر أمام رومانيا بثلاثة أهداف لهدف، وفي المباراة الثانية أمام أميركا خسرت بهدفين لهدف، كان الهدف الأول لأميركا هو الذي أحرزه إسكوبار في فريقه وعقّد موقف كولومبيا وفتح الباب لسيطرة أميركا التي أضافت هدفا سريعا آخر، ولم يشفع لكولومبيا الفوز في المباراة الثالثة على سويسرا فخرجت من البطولة، وبعد عودة المنتخب لبلاده لعدة أيام، تلقى رصاصة قتلته على الفور بعد أن دخل في مشادة خارج أحد الملاهي الليلية أو الحانات مع مجموعة أشخاص سخروا منه بسبب هده العكسي.
ليسبب مقتله صدمة للملايين حول العالم.
كانت بطولة 1994 أول بطولة بعد انهيار المعسكر الشرقي وتفكك الاتحاد السوفيتي، لتظهر روسيا لأول مرة منذ تأسيس البطولة.
كانت نتائج روسيا حافلة بالمفارقات، وقعت في مجموعة ضمت كل من البرازيل، والسويد، وأسود الكاميرون أصحاب الآداء المبهر في بطولة 1990.
خسرت من البرازيل، ومن السويد، ولكن المدهش أنها فازت على الكاميرون بستة أهداف مقابل هدف، لم يشفع لها هذا الفوز العريض وخرجت من البطولة ومعها الكاميرون.
الأغرب أن لقاء الكاميرون وروسيا شهد إنجازين، فمن بين الستة أهداف التي أحرزتها روسيا، تمكن لاعب واحد من تسجيل خمسة أهداف منها وهو اللاعب أوليغ سالينكو في إنجاز لم يتكرر على مدار تاريخ البطولة.
ولم تكن تلك هي المفارقة الوحيدة، فالمدهش أن من أحرز هدف الكاميرون كان روجيه ميلا في آخر ظهور للثعلب العجوز مع منتخب الكاميرون الذي بدا عجوزا هذه المرة في واحدة من أسوأ مشاركاته.
بذكريات الفوز ببطولة 1986 البديعة، والصعود لنهائي 1990، واصل دييغو مارادونا قيادته لمنتخب الأرجنتين مطاردا الحلم الأخير، لكن الفريق خرج من محطة دور ال16 أمام منتخب رومانيا العملاق وقتها بقيادة الأسطورة هاغي.
شهدت البطولة آخر أهداف مارادونا، حيث سجل في رباعية بلاده أمام اليونان، وقاد فريقه للفوز على نيجيريا، قبل أن تتفجر فضيحة كبرى تمثلت في ثبوت تعاطيه للمنشطات، فلم يشارك في مباراة بلغاريا ولا رومانيا، خرجت الأرجنتين وظل موضوع منشطات مارادونا لغزا حتى الآن، بين من يؤكد ومن ينفي بزعم أنها مؤامرة من مافيا وتكتلات وإلخ.
لكن الأكيد أن تاريخ مارادونا الشخصي قبل وبعد البطولة، يفتح الباب لكل الاحتمالات.
في حين أظهر منتخب البرازيل تألقا في المونديال، قدمت هولندا كذلك بطولة استثنائية.
المدهش جدا أن البرازيل منذ عام 1970 مع الأسطوري بيليه لم تذق طعم البطولة، 24 عاما، جيل تاريخي ضم فالكاو وأليماو وسقراط وزيكو وأيدر يعتبره البعض أعظم فريق كرة في التاريخ، لم يحالفه الحظ أبدًا ونتذكر خروجه الدرامي في بطولة 1982 أمام إيطاليا باولو روسي ورفاقه.
وقدمت البرازيل في بطولة 1994 نسخة عصرية جمعت الجماليات بالتكامل بسرعة الإيقاع بالانضباط التكتيكي بالصلابة الدفاعية، بدا فريقا عمليا جدا لم يأت للاستعراض، وسريعا تعرف العالم على ثلاثي متجانس نادر التكرار ضم بيبيتو ورماريو وليوناردو، وقدمت مع هولندا مباراة ممتعة مثيرة يتذكرها عشاق الكرة انتهت بفوز البرازيل بثلاثة أهداف لهدفين.
من يُصدق أن منتخب نيجيريا بكل ثقله الكروي القاري، لم يشارك في منافسات كأس العالم قبل بطولة 1994؟بتوليفة من اللاعبين الموهوبين السحّرة، ضمت رشيدي يكيني وأوكوشا وأموكاشي وصنداي أوليسيه وفيكتور إيكبيبا والحارس بيتر روفاي وجورج فيندي ونجم الزمالك الفذ إيمانويل أمونيكي، عبرّت نيجيريا عن نفسها بقوة منذ مباراتها الأولى في البطولة أمام بلغاريا حيث فازت بثلاثية بأقدام رشيدي يكيني «لقطته الشهيرة داخل الشبكة»، وأموكاشي وإيمانويل.
خسرت بعد ذلك من الأرجنتين بهدفين لهدف رغم أنها كانت المبادِرة بالتسجيل، وفي مباراتها الثالثة فازت على اليونان بهدفين نظيفين لتصعد إلى دور ال16.
المذهل أن نيجيريا تصدرت مجموعتها الصعبة أمام الأرجنتين وأمام بلغاريا «الحصان الأسود» حيث تساوت الفرق الثلاث في مجموع النقاط «6 نقاط لكل فريق»، فصعدوا جميعا حيث صعدت بلغاريا معهما ضمن أفضل ثوالث المجموعات وهو نظام كان متبع سابقا.
وتلتقي نيجيريا في دور الـ 16 مع إيطاليا أحد عمالقة أوروبا والعالم، وتقدم آداء راقيا وتتقدم بهدف لإيمانويل منذ الدقيقة 25، وتسيطر على المباراة في دقائقها الأخيرة وبدا أنها ستحقق المعجزة، لكن القائد روبرتو باجيو وأفضل لاعب في العالم كان له رأي آخر حيث أدرك التعادل لفريقه في الدقيقة 88 ثم سجل هدف الفوز من ركلة جزاء في الدقيقة 102، لتخرج نيجيريا بنفس الطريقة التي خرجت بها الكاميرون أمام إنجلترا في بطولة 1990، سيطرة على المباراة ثم ثقة زائدة لا داع لها أبدا أمام الأوروبيين، مسببة الإحباط لملايين الأفارقة.
أما باجيو صاحب الإنقاذ والمعجزة، لم تكن تلك هي مشاهده الوحيدة في البطولة، ففي المباراة التالية في دور الثمانية أمام إسبانيا أعاد نفس المشهد وفي الدقيقة 88 أيضا محرزا هدف الفوز بعد أن كانت النتيجة التعادل بهدف لكل منهما.
في نصف النهائي أمام بلغاريا كرر باجيو إبهاره وأحرز هدفي بلاده لتنتهي المباراة بفوز إيطاليا بهدفين لهدف، فيما أحرز هدف بلغاريا الأسطورة «ستويتشكوف».
لكن الأقدار لم تواصل الضحك لا لإيطاليا ولا لباجيو «ربما عاقبتها الأقدار على ما فعلته ببرازيل 82 الأسطوري» وعاقبت باجيو على سرقة حلم نيجيريا والأفارقة، فخسرت بركلات الترجيح أمام البرازيل، وكان باجيو ذاته آخر من أهدر.
وانتهت البطولة الناجحة تنظيميا وفنيا، أما الدولة المنظمة، فلم تبعد أكثر من دور الـ16 حيث اصطدمت بالبرازيل وخسرت.
وبجانب ما ذكرناه، لا يمكن أن ننسى هاجي ورفاقه في منتخب رومانيا، ولا مغامرة بلغاريا ستويتشكوف، أو هدف سعيد العويران الأسطوري في مرمى بلجيكا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك