تعيش أوروبا أزمة اقتصادية واجتماعية ضاغطة، لم تعد تُقاس فقط بمؤشرات التضخم والنمو، بل بقدرة الناس على دفع الإيجار، والحفاظ على مساكنهم، والعثور على عمل عادل يحمي كرامتهم.
فغلاء المعيشة وارتفاع كلفة السكن تحولا إلى اختبار مباشر للحقوق الأساسية داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وحذّرت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية ومقرّها فيينا، في تقريرها السنوي الصادر اليوم الخميس، من أنّ عام 2025 كشف اتساع الفجوة بين القيم الأوروبية المعلنة والواقع اليومي لكثير من السكان، خصوصاً في ملفي السكن والعمل.
وقالت مديرة الوكالة، سيربا راوتيو، إنّ" الأوروبيين يشعرون بضغوط متزايدة في حياتهم اليومية بسبب أزمة غلاء المعيشة الممتدة"، مشيرة إلى أن التكاليف ترتفع بالقيمة الحقيقية وتجعل وضعاً صعباً أصلاً أكثر تعقيداً.
وركّز التقرير على أزمة السكن في أوروبا باعتبارها أحد أبرز وجوه هذه الضغوط، مشيراً إلى أن أسعار المنازل ارتفعت بقوة، كما زادت الإيجارات بنسبة 16.
8% خلال حوالي عقد بين 2015 و2024، بينما تراجع عدد رخص بناء المساكن في الاتحاد الأوروبي بنسبة 20% في 2023، ما زاد الضغط على سوق يعاني أصلاً نقص المعروض.
وأشارت الوكالة إلى أنّ كلفة السكن باتت تلتهم حصة أكبر من ميزانيات الأسر، خصوصاً في المدن، حيث ينفق 27% من السكان أكثر من ربع دخلهم المتاح على السكن، مقابل 17% في المناطق الريفية، لتتعدى الأزمة الجانب العقاري، إلى الجانب الحقوقي وتمس الحق في السكن اللائق والحماية من التشرد والطرد.
وشددت راوتيو على أن أزمة السكن المتواصلة تجعل أفراداً وعائلات أكثر عاجزين عن تحمل كلفة منازلهم، ما يرفع خطر التشرد.
كما لفتت إلى أن الشباب والفئات الهشة يواجهون صعوبات تمس حقهم الأساسي في السكن الملائم، في وقت لا يزال كثيرون بلا حماية كافية من الإخلاء والتشرد.
أما في سوق العمل، فكشف التقرير مفارقة أوروبية واضحة، ففي الوقت الذي يعاني فيه الاتحاد الأوروبي نقصاً حاداً في اليد العاملة، لا يوفر دائماً في الوقت نفسه حمايةً كافيةً للعمال القادمين من دول خارج الاتحاد، " فهؤلاء يُستدعون لسد النقص، لكن كثيرين منهم يجدون أنفسهم في وظائف هشة أو أقل من مؤهلاتهم، أو عرضة للاستغلال والتمييز"، بحسب التقرير.
وأفادت الوكالة بأنّ معدل الشواغر في الاتحاد الأوروبي بلغ 2.
1% في 2025، بما يعادل ملايين المناصب غير المشغولة.
ورغم ذلك، يواجه عمال دول ثالثة عراقيل في الاندماج المهني، كما أنّ 46% من المهاجرين الحاصلين على تعليم عال يعملون في وظائف منخفضة أو متوسطة المهارة، مقابل 22% فقط بين عموم السكان.
وأبرزت الأرقام خطورة التمييز في سوق العمل، إذ قال 35% من رعايا دول ثالثة إنهم تعرضوا لتمييز عنصري في أثناء البحث عن عمل خلال السنوات الخمس الماضية، فيما قال 31% إنهم تعرّضوا له داخل أماكن العمل.
كما أبلغت 24% من النساء النازحات من أوكرانيا اللواتي عملن بأجر في الاتحاد الأوروبي أنهن تلقين أجوراً ناقصة أو لم يتقاضين أجورهن إطلاقاً.
وقالت راوتيو إنّ" سوق العمل الأوروبي يعيش توتراً واضحاً، وذكرت أنّ" قطاعات تحتاج إلى العمال، لكن بعض القادمين من خارج الاتحاد، ومن بينهم الفارون من أوكرانيا، يجدون صعوبة في الحصول على عمل عادل، وينتهون أحياناً إلى الاستغلال والتمييز".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك