قبل ثلاثة أعوام، حذر خبراء ومتخصصون حول العالم من أن الانخفاض في الخصوبة أصبح أزمة تهدد دول العالم كافة بعدما بدأت في الدول الغنية، حيث تشهد الاقتصادات الـ15 الأكبر في العالم أقل مستوى في الخصوبة، وفق لبيانات نشرتها صحيفة الايكونوميست.
وسجلت 98 دولة حول العالم في 2010 انخفاضاً ملحوظاً في نسبة الخصوبة وصل إلى طفلين تقريباً لكل امرأة.
وفي عام 2021، سجلت 124 دولة انخفاضاً كبيراً في معدلات الخصوبة بلغ أقل من طفلين لكل امرأة.
كان العالم العربي بعيداً نسبياً عن هذه المخاوف المتعلقة بشيخوخة المجتمع، لكن ولأول مرة تشهد الدول العربية تحولاً ديموغرافياً جذرياً خلال العقود الخمسة الماضية، حيث انخفض متوسط عدد الأطفال للمرأة الواحدة من 6.
8 في عام 1970 إلى 2.
6 حالياً، أي تراجع بنسبة 62%.
عدو صامت يهاجم العالم العربي!هذا الانخفاض الصامت الذي بدأ كسياسة حكومية مقصودة لتنظيم الأسرة، بات يتطور الآن إلى أزمة ديموغرافية وجودية تهدد مستقبل المنطقة بأكملها.
فبعد عقود من التحذير من" القنبلة السكانية”، تواجه الدول العربية اليوم شبح" الشتاء الديموغرافي”، حيث تتجه مجتمعاتها نحو الشيخوخة وتتضاءل قوة العمل الشابة.
تتعدد أسباب هذا التراجع لتشمل السياسات الحكومية التي نجحت في خفض معدلات المواليد، والأزمات الاقتصادية التي جعلت الإنجاب رفاهية، والتغيرات الاجتماعية والقوانين التي أدت إلى عزوف الشباب عن الزواج.
السياسات الحكومية: عندما نجحت الخطة" أكثر من اللازم"!لطالما نظرت الحكومات العربية إلى النمو السكاني المتسارع كعائق أمام التنمية، مما دفعها لتبني سياسات صارمة لتنظيم الأسرة.
وكانت القيادات السياسية المختلفة في عدة دول عربية - وخصوصاً مصر - قد تحدثت مرات عدة عن" القنبلة السكانية" التي تلتهم عوائد التنمية الاقتصادية في البلاد.
لكن يبدو أن هذه السياسات قد نجحت أكثر مما كان متوقعاً، مما أدى إلى تداعيات غير مقصودة.
في مصر، كانت التحذيرات من" الانفجار السكاني” محور الخطاب الحكومي لعقود.
وقد عبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن هذا القلق في عام 2014 قائلاً: " الزيادة السكانية تلتهم كل مكاسب التنمية.
إذا وصلنا لـ 200 مليون، ستكون مصر غير قابلة للحياة”.
وفي عام 2019، أعلنت وزيرة الصحة آنذاك، هالة زايد، أن الدولة تستهدف خفض معدل الخصوبة من 3.
5 إلى 2.
4 بحلول عام 2030.
وقد تُرجمت هذه الأهداف إلى سياسات عملية، حيث خصص الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2.
3 مليار جنيه لبرامج تنظيم الأسرة، وأطلق حملة" اتنين كفاية”، وقدم توزيعاً مجانياً لوسائل منع الحمل في 4,500 منشأة صحية.
وفي عام 2025، أعلنت وزارة الصحة المصرية تراجع معدل المواليد إلى 18.
5 طفل لكل ألف زوج، وأكدت أنها تستهدف الوصول إلى 2.
1 عام 2030أدت هذه الجهود إلى تراجع معدل الخصوبة في مصر بنسبة 48.
3% في 54 عاماً.
ومع ذلك، كان لهذا التراجع ثمن اجتماعي، حيث ارتفع متوسط سن الزواج للذكور إلى 31.
7 عاماً (مقارنة بـ 25 عاماً في 1990)، وأصبح 35% من الشباب (18-35) غير متزوجين بسبب التكاليف، بينما بلغت نسبة غير المتزوجات فوق سن 35 في المدن الكبرى 60%.
تونس تلحق بقطار الشيخوخة!أما تونس التي تُعد الرائدة العربية في" تحديد النسل” فإن البيانات الواردة منها تشير إلى أن المجتمع دخل مرحلة الشيخوخة.
بدأ الأمر في عام 1964، حين صرح الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة بأن" كل طفل زائد عن اثنين هو عبء على الوطن والأسرة”.
وفي عام 1973، أصبحت تونس أول دولة عربية تشرّع الإجهاض (حتى الأسبوع 12)، وطبقت توزيعاً شاملاً لوسائل منع الحمل، وأطلقت حملات إعلامية مكثفة تحت شعار" الولدين بركة”.
لكن مع الوقت، أدت هذه السياسات إلى انخفاض حاد في معدلات الخصوبة، مما دفع وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي للتحذير في عام 2019 من أن" تونس تواجه أزمة ديموغرافية.
معدل الخصوبة انخفض لـ 1.
9، وأن هذا الأمر يهدد نظام التقاعد والاقتصاد”.
وبحسب تقرير عام 2024 الصادر عن المعهد الوطني للإحصاءات (INS) فإن هناك دلائل واضحة على بداية عملية شيخوخة المجتمع التونسي، إذ أن نسبة السكان ذوي السن 65 سنة فأكثر ارتفعت إلى 8 % من إجمالي السكان (من 7.
6 % في العام السابق)، كما أن نسبة الاعتماد الاقتصادي للشيخوخة (نسبة السكان 65+ إلى الفئة المنتجة 15‑64) ارتفعت إلى 12.
5 % (من 11.
8 % في 2023).
هذا يعني أن كل 100 شخص في الفئة المنتجة يدعم الآن نحو 12–13 شخصًا مسنًا، وهو مؤشر على زيادة العبء على نظام الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.
يشكل هذا التراجع تحدياً كبيراً، حيث بلغت نسبة السكان فوق 65 عاماً 9.
7% (مقارنة بـ 4% في 1990)، وهناك عجز متوقع في نظام التقاعد بـ 2.
5 مليار دينار بحلول 2030، بالإضافة إلى انخفاض المواليد بـ 10% في عام 2024 وحده.
شهد المغرب أيضاً تحولاً ديموغرافياً كبيراً.
ففي عام 1987، دعا الملك الحسن الثاني إلى خفض النمو السكاني لتحقيق التنمية المستدامة.
وفي عام 2010، أطلقت وزارة الصحة المغربية" الخطة الوطنية لتنظيم الأسرة 2011-2020” بهدف خفض معدل الخصوبة إلى 2.
1 بحلول عام 2020.
كانت النتيجة أن تراجع معدل الخصوبة بنسبة 64.
6%، وهو ما دفع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى تغيير أولوياتها بسبب تزايد عدد المسنين، حيث يقتضي الأمر تحضير أرضية مناسبة للقيام بالتكفلات المستهدفة لهذه الفئة، بحسب ما قال إبراهيم بوحمادي، رئيس مصلحة إعادة الأهلية وأمراض الشيخوخة بالوزارة.
ويشير أحدث تقرير للمندوبية السامية للتخطيط إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى 2.
31، ما يعني اقتراب المغرب من مستوى التوازن الديموغرافي (البديل).
وهذا يترجم إلى انخفاض سريع في نسبة الولادات السنوية، ما يحدّ من الزيادة الطبيعية للسكان ويقلل من حجم" القوة العاملة” القادمة.
كما أن الانخفاض في متوسط حجم الأسرة (من 5.
2 إلى 4.
3) يعكس التحول نحو أنماط أسرية أصغر، وهو مرتبط بارتفاع مستوى التعليم للنساء وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل.
دول الخليج: من" الثروة السكانية" إلى الانهياروتشير البيانات أيضاً إلى أن حتى دول الخليج، التي كانت تتميز بمعدلات خصوبة عالية، بدأ تشهد تراجعاً حاداً في نسب الخصوبة والمواليد.
ففي الإمارات، تشير بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء إلى تراجع معدلات الخصوبة بشكل كبير، حيث كانت 6.
4 في عام 1970 وأصبحت 1.
2 فقط في عام 2024، وهو الأدنى عربياً وعالمياً تقريباً.
هذا التراجع بنسبة 81.
3% يثير قلقاً خاصاً، خاصة وأن 11.
5% فقط من سكان الإمارات مواطنون، ومعدل الخصوبة للمواطنات الإماراتيات بلغ 0.
96 فقط في عام 2023.
وقد بدأت الحكومة برامج لتشجيع الإنجاب متأخرة في عام 2020.
أما في الكويت، فقد انخفض معدل الخصوبة من 7.
2 في عام 1970 إلى 1.
9 في عام 2024، أي تراجع بنسبة 73.
6%.
وقد صرح مجلس الوزراء الكويتي بأن" انخفاض معدلات الزواج والإنجاب أصبح أمناً قومياً".
وفيما يخص سوريا وبعض البلدان العربية الأخرى فقد تعذر الحصول على أرقام حديثة بشأن معدلات المواليد والخصوبة.
الأزمة الاقتصادية.
عندما يصبح الإنجاب رفاهية!تعتبر الأوضاع الاقتصادية الصعبة عاملاً رئيسياً في تراجع معدلات الخصوبة وعزوف الشباب عن الزواج.
فقد أصبحت تكاليف الزواج وتربية الأطفال باهظة، مما يدفع الكثيرين إلى تأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بعدد قليل من الأطفال.
وتتطلب تكاليف الزواج في العالم العربي مبالغ طائلة، مما يشكل عبئاً كبيراً على الشباب.
ففي مصر، يحتاج الخريج الجامعي إلى 7-14 سنة للادخار لتغطية تكاليف الزواج دون صرف أي مبلغ بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن الدخل والإنفاق في عام 2023.
وفي تونس، أدى ارتفاع التكاليف إلى تأجيل 35% من الشباب للزواج لأكثر من 5 سنوات.
وحتى في الإمارات، حيث توجد برامج حكومية مثل صندوق الزواج، لا تزال التكاليف مرتفعة، مما يساهم في ارتفاع معدلات الطلاق التي بلغت 40% في السنة الأولى من الزواج في عام 2023.
ولا تتوقف الأعباء المالية عند الزواج، بل تمتد لتشمل تكاليف تربية الأطفال التي أصبحت مرتفعة للغاية.
وتظهر الأرقام من دول كمصر وتونس والمغرب أن تربية طفل واحد حتى سن 18 عاماً تتطلب جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، خاصة في مصر حيث قد تصل إلى 40-60% من الدخل السنوي.
هذا الواقع يدفع الكثير من الأسر، إلى الاكتفاء بعدد قليل من الأطفال أو تأجيل الإنجاب لفترة طويلة بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.
كما تعد أزمة السكن عاملاً آخر يساهم في تأجيل الزواج والإنجاب.
فأسعار العقارات والإيجارات في ارتفاع مستمر، مما يجعل الحصول على مسكن مستقل حلماً بعيد المنال للكثير من الشباب في العالم العربي.
العزوف عن الزواج - أزمة اجتماعية معقدةإلى جانب العوامل الاقتصادية، تساهم التغيرات الاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى الجدل حول قوانين الأحوال الشخصية، في عزوف الشباب عن الزواج.
وتثير قوانين الأحوال الشخصية في العديد من الدول العربية جدلاً واسعاً، حيث يرى كل طرف أنها لا تصب في صالحه.
إذ يرى العديد من الرجال أن قوانين الأحوال الشخصية، خاصة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة، منحازة للمرأة.
يقول أحد المحامين في مصر: " 70% من عملائي الرجال يرفضون الزواج خوفاً من قوانين النفقة والحضانة إذ يرون أنها منحازة' للمرأة"، ويرى عصام عجاج المحامي المصري أنه" حتى مع تعديلات القوانين الجديدة فإنها لن تعيد 1% من حق الزوج".
وكانت الحكومة قد طرحت تعديلاً مثيراً للجدل على قانون الأحوال الشخصية، وكانت من أبرز التعديلات التي أثارت جدلاً مجتمعياً منح الزوجة حق فسخ العقد خلال 6 أشهر" منعاً للتدليس"، وأن يبقى الأطفال في حضانة الأم المطلقة حتى 15 عاماً وغيرها من البنود التي دفعت الحكومة المصرية لسحب القانون وسط عاصفة من الغضب والانتقادات من الطرفين، خاصة مع تأكيد الأزهر على أنه لم يطلع على القانون الجديد ولم يؤخذ رأيه فيه.
في المقابل، ترى العديد من النساء أن القوانين لا توفر لهن الحماية الكافية.
وتقول ناشطة نسوية تونسية إن" القوانين على الورق فقط.
فهناك 80% من المطلقات لا يحصلن على نفقة فعلية.
والمرأة تخسر كل شيء”، بحسب ما ذكرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.
من جانب آخر تساهم التوقعات غير الواقعية والشروط المبالغ فيها من كلا الطرفين في تعقيد عملية الزواج.
وقد أظهرت دراسة ميدانية أجرتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة في عام 2023 أن 82% من حالات الخطوبة لا يتم الاتفاق بين الطرفين خلالها، وأن معدل فشل الخطوبة يبلغ 40% في السنة الأولى.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي يظهر ما يبدو أنه" حرب ضروس" بين الرجال والنساء، حتى أن بعضهم أطلق عدداً من المبادرات الداعية للزواج من الخارج وخصوصاً من خارج البلاد العربية، مدفوعة بأسباب اقتصادية واجتماعية.
وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة جديدة تتمثل في انتشار منتديات إلكترونية عربية تروج لـ" العزوبية المقصودة"، وتعتبر" الزواج فخاً اقتصادياً"، وترى أن" المرأة العربية تحصل على الكثير من المكاسب".
وفي مصر، توجد أكثر من 15 مجموعة على فيسبوك من هذا النوع تضم في المتوسط 50 ألف عضو لكل مجموعة، بينما في دول الخليج توجد منتديات سرية بعضوية تتجاوز 100 ألف عضو.
يعكس هذا التوجه رفضاً متزايداً للنموذج التقليدي للزواج والأسرة.
تحديات ديموغرافية تتطلب استراتيجيات شاملةأصبح تراجع معدلات الخصوبة في العالم العربي ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه، تتشابك فيها السياسات الحكومية، والأزمات الاقتصادية، والتغيرات الاجتماعية والثقافية، والجدل حول قوانين الأحوال الشخصية، وتحول القلق من" القنبلة السكانية" إلى تحدي" الشتاء الديموغرافي"، حيث تواجه المنطقة خطر شيخوخة السكان وتضاؤل قوة العمل الشابة.
تتطلب هذه التحديات استراتيجيات شاملة لا تقتصر على تنظيم الأسرة، بل تتعداها إلى معالجة الأسباب الجذرية للعزوف عن الزواج والإنجاب.
ويطالب نشطاء وحقوقيون في دول عربية عدة الحكومات والمجتمعات العمل معاً لمعالجة الأعباء الاقتصادية، وتحديث قوانين الأحوال الشخصية بما يحقق العدالة والتوازن بين الجنسين، وتعزيز القيم الأسرية التي تشجع على الزواج والإنجاب في بيئة مستقرة وداعمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك