كشف الصحفي آموس بارشاد في تقرير نشرته مجلة" كولومبيا جورناليزم ريفيو" عن تصاعد الأزمة داخل برنامج" 60 دقيقة"، أحد أشهر البرامج الإخبارية الاستقصائية في الولايات المتحدة، وسط اتهامات للإدارة الجديدة لشبكة" سي بي إس" بمحاولة تغيير هوية البرنامج وتقاليده المهنية الممتدة لأكثر من نصف قرن.
وأوضح التقرير أن الأزمة تفجرت بعد سلسلة قرارات اتخذتها إدارة الشبكة خلال الأيام الأخيرة، شملت إقالة قيادات عليا في البرنامج والاستغناء عن عدد من أبرز مراسليه، إلى جانب تعيين نيك بيلتون منتجا تنفيذيا جديدا للبرنامج، رغم افتقاره إلى الخبرة المباشرة في إدارة الأخبار التلفزيونية.
وأضاف الكاتب أن التوتر بلغ ذروته خلال اجتماع داخلي جمع العاملين في البرنامج، عندما واجه المذيع المخضرم سكوت بيلي الإدارة الجديدة وانتقد مؤهلات بيلتون، كما اتهم باري فايس، التي تقود قسم الأخبار في الشبكة بعد استحواذ عائلة إليسون على المؤسسة، بـ" تدمير" البرنامج.
وبحسب التقرير، لم يتأخر الرد كثيرا، إذ أقدم بيلتون في اليوم التالي على إقالة بيلي، مبررا القرار برغبته في التركيز على إنتاج محتوى إخباري عالي المستوى بدلا من الانشغال بالصراعات الداخلية.
ولفهم أبعاد الأزمة، أجرى بارشاد حوارا مطولا مع المنتج الاستقصائي المخضرم لويل بيرغمان، أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ" 60 دقيقة"، والذي تحولت تجربته الشهيرة في مواجهة ضغوط إدارة الشبكة خلال تحقيقات صناعة التبغ إلى فيلم" المخبر" عام 1999.
وأكد بيرغمان أن ما يحدث حاليا لا يفاجئه، مشيرا إلى أن العديد من العاملين داخل القطاع الإعلامي كانوا يتوقعون حدوث اضطرابات مشابهة منذ انتقال ملكية الشبكة إلى المستثمرين الجدد.
ولفت إلى أن القلق الرئيسي لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين جرى تعيينهم في مواقع القيادة، بل بالسؤال الأعمق حول دوافع الملاك الجدد لإحداث تغييرات جذرية داخل واحد من أكثر البرامج الإخبارية نجاحا وتأثيرا وربحية في الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن عائلة إليسون، التي استحوذت على أصول" باراماونت" المالكة للشبكة، لا تمتلك تاريخا يُذكر في إدارة المؤسسات الإعلامية، وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل حول الأسباب الحقيقية وراء إعادة تشكيل المؤسسة بهذه السرعة.
وأضاف بيرغمان أن القرارات الحالية تبدو بعيدة عن المنطق التجاري التقليدي، خاصة أن البرنامج ما زال يحظى بجمهور واسع ومكانة مهنية راسخة، معتبرا أن ما يجري لا يمكن تفسيره بسهولة باعتباره مجرد محاولة لزيادة الأرباح أو تطوير المنتج الإعلامي.
وفي سياق حديثه عن القيادة الجديدة، شكك بيرغمان في جاهزية بعض المسؤولين الجدد لإدارة مؤسسة بحجم" 60 دقيقة"، موضحا أن إنتاج الصحافة التلفزيونية الاستقصائية يتطلب خبرات تراكمية طويلة، وثقافة تحريرية قائمة على الثقة المتبادلة بين أعضاء الفريق، وقدرة على اتخاذ قرارات حساسة تحت ضغط الوقت.
وأوضح أن العمل داخل البرنامج لا يشبه بيئات الإعلام التقليدية الأخرى، نظرا لتأثير التحقيقات التي ينتجها على الحكومات والشركات والشخصيات العامة، ما يجعل الخبرة المهنية عنصرا أساسيا لا يمكن تعويضه بسهولة.
ويرى التقرير أن الأزمة الحالية تتجاوز خلافا إداريا أو صراعا شخصيا داخل مؤسسة إعلامية، لتعكس تحولا أوسع تشهده البيئة الإعلامية الأمريكية، حيث تتزايد المخاوف من تأثير الملاك الجدد والعلاقات السياسية والاقتصادية على استقلالية غرف الأخبار.
كما أشار بيرغمان إلى أن عددا من المنصات الإعلامية الكبرى وشركات التكنولوجيا أصبحت أكثر حذرا في التعامل مع الموضوعات الحساسة المتعلقة بالبيت الأبيض أو كبار الفاعلين في قطاع التكنولوجيا، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل الصحافة الاستقصائية المستقلة.
وفي ختام الحوار، شدد بيرغمان على أن أهمية" 60 دقيقة" لا تنبع فقط من شهرته أو نسب مشاهدته، بل من كونه أحد آخر البرامج التلفزيونية الأمريكية التي ما تزال تتمتع بدرجة عالية من الثقة العامة والمعايير التحريرية الصارمة.
وخلص تقرير آموس بارشاد إلى أن المعركة الدائرة داخل" 60 دقيقة" تمثل بالنسبة لكثيرين اختبارا لمستقبل الصحافة التلفزيونية الأمريكية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تراجع استقلالية المؤسسات الإعلامية أمام الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك