في الساعة السادسة مساء يوم الـ 17 من يوليو (تموز) 2025، دخل كبار المسؤولين في إدارة دونالد ترمب إلى غرفة العمليات داخل البيت الأبيض وهم في وضع استنفار غير مسبوق.
لم يكن وجودهم في القبو الآمن الذي تتخذ فيه قرارات الحرب والعمليات السرية المفصلية متعلقاً بأي شيء من هذا القبيل، بل كان محور الاجتماع" وثائق إبستين" التي تسببت بشرخ داخل معسكر" ماغا" الجمهوري، على خلفية مطالب أنصار الرئيس بالإفراج عنها.
اعتبر كبار مستشاري ترمب وثائق إبستين تحدياً وجودياً يمكن أن يقود إلى انهيار الإدارة الجمهورية، لما تحويه من ادعاءات حول صلات الرئيس بالملياردير المتورط في إدارة شبكة جنسية للاتجار بالقصّر، وفقاً لكتاب" تغير النظام داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترمب"، الذي يكشف للمرة الأولى عن محادثات وخلافات داخلية، حول التعامل مع الغضب الشعبي حيال التكتم حول الوثائق، بالتزامن مع استعداد" وول ستريت جورنال" لنشر تقرير يتضمن مزاعم حول رسالة تحوي رسماً لامرأة عارية، بعثها ترمب إلى إبستين لمناسبة عيد ميلاده.
وتكشف المقتطفات التي نشرتها" نيويورك تايمز" من الكتاب المرتقب صدوره في الـ 23 من يونيو (حزيران) الجاري، بتأليف مراسلَيها ماغي هابرمان وجوناثان سوان، عن مساعي ترمب الحثيثة العام الماضي إلى منع نشر تقرير" وول ستريت جورنال"، إذ اتصل الرئيس الأميركي بالرئيس التنفيذي لـ" نيوز كورب" ومالكها روبرت مردوخ، ورئيسة التحرير البريطانية إيما تاكر، وبلغت حدة المكالمة مع الأخيرة درجة الصراخ عليها، وتهديدها برفع دعوى قضائية، واتهامها بكراهية الولايات المتحدة.
وبينما كانت أزمة إبستين تتصاعد، يشير الكتاب إلى أن الرئيس الأميركي كان يريد دفن القضية بالكامل، وأوضح لمساعديه أنه لا يريد نشر أي شيء يتعلق بإبستين، وكان ينفجر غضباً في وجه كل من يثير الموضوع، لدرجة أن موظفيه حرصوا على تجنب ذكر اسمه أمامه، وبينما نفى ترمب صلاته بإبستين، فقد كان البيت الأبيض على علم بأن أسماء شخصيات بارزة، بينهم ترمب، وردت في مقابلات أجراها" مكتب التحقيقات الفيدرالي" مع بعض ضحايا إبستين، ومع أن كثيراً من الادعاءات كانت غير مدعومة بأدلة، لكن نشرها بالنسبة إلى معظم مستشاري الرئيس كان أمراً مرفوضاً.
خلال اجتماع غرفة العمليات الذي غاب عنه ترمب، أشار نائب الرئيس جي دي فانس إلى خطورة المشكلة بحضور رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ومستشار البيت الأبيض القانوني ديفيد وارينغتون، والسكرتيرة الصحافية كارولين ليفيت، ونائب رئيس الموظفين تايلور بودويتش، ومدير الاتصالات ستيفن تشونغ، ونائب المدعي العام تود بلانش، ومساعد المدعي العام ستانلي وودوارد الابن، ونائب رئيس الموظفين جيمس بلير، إضافة إلى المدعية العامة بام بوندي، ومدير" مكتب التحقيقات الفيدرالي" كاش باتيل اللذين انضما عبر الهاتف.
ووفق الكتاب فقد بدا فانس مذعوراً من الانقسام الذي تسببت به أزمة إبستين داخل معسكر" ماغا"، وخرج بعض المسؤولين بانطباع بأن نائب الرئيس كان من كبار المؤمنين بنظريات المؤامرة، نظراً إلى مطالبته بنشر الوثائق، حتى تلك التي تضم معلومات متعلقة بترمب، ودعوته إلى فتح تحقيق في الكونغرس، وبلغ اهتمام نائب الرئيس بالمسألة حد أنه اقترح الاستعانة بتاكر كارلسون لإجراء مقابلة في السجن مع شريكة إبستين، غيلين ماكسويل، أملاً في أن تكون مستعدة لنفي تورط ترمب في أية جريمة ارتكبها إبستين.
وقال فانس إنه يعتقد أن كل الملفات يجب أن تُنشر في أقرب وقت ممكن، محذراً من أن الكونغرس سيجبر الإدارة في النهاية على نشر الملفات، نظراً إلى تشكل ائتلاف من الحزبين يؤيد هذه الخطوة، ولذلك فإذا بادرت الإدارة إلى نشر كل شيء طوعاً، بما في ذلك أي مواد موجودة عن الرئيس، فسيقدر الناس شفافيتها، أما البديل فهو ترك القصة تمتد شهوراً طويلة، مع تسرب المعلومات بالتدريج، إذ يؤدي كل كشف جديد إلى تجديد دورة الشك والغضب، ولكن الاختلاف ساد بين أعضاء الإدارة حول موقف فانس.
بصفته محامي الدفاع السابق عن الرئيس، قدم بلانش شرحاً للخيارات المتاحة، ومنها التقدم بطلب إلى المحاكم الفيدرالية في فلوريدا ونيويورك لرفع السرية عن إفادات هيئة المحلفين الكبرى، بما تضمنته من شهود وأدلة، سعياً إلى الحصول على لوائح اتهام في قضايا سابقة مرتبطة بإبستين، وبما أن هذه الإفادات كان من شبه المؤكد ألا تحوي معلومات جديدة مهمة، فقد اتفق الجميع على معقولية هذا الخيار.
كانت إدارة ترمب تعول على هذه الإستراتيجية لنقل مسؤولية عدم نشر ملفات إبستين إلى القضاء، فبموجب القواعد الفيدرالية للإجراءات الجنائية، ينظر معظم القضاة الفيدراليين إلى سرية مواد هيئة المحلفين الكبرى على أنها شبه مقدسة، ولذا توقع بلانش أن بإمكانهم نقل اللوم عن حجب مواد إبستين من إدارة ترمب إلى القضاة، وسيكون الأمر أفضل بالنسبة إليهم إذا كان هؤلاء القضاة قد عُينوا من قبل رؤساء ديمقراطيين، مما سيجعل الأمر يبدو وكأن البيت الأبيض يريد نشر المواد، في حين أن ذلك يكاد يكون مستحيلاً.
أما الخيار الثاني فكان أن يستجوب محامو وزارة العدل ماكسويل، وأن ينشروا نص المقابلة علناً، في تحوير للفكرة التي كان فانس قد طرحها في وقت سابق، وعرض بلانش أن يجري هو المقابلة مع ماكسويل بنفسه، في حين اقترح فانس أن تتحدث شريكة إبستين إلى الكونغرس.
وفي حين أثار بلانش احتمال أن يتوقع محامي ماكسويل مقابلاً لقاء صراحتها، رد مستشار البيت الأبيض القانوني، وارينغتون، بعرض الخيارات المتاحة من دون أن يدافع عن أي منها، وقال إن ماكسويل يمكن أن تُمنح عفواً رئاسياً، أو يمكن تخفيف حكمها، وعندها تدخل عدد من المسؤولين للتعبير عن رفضهم الشديد، وقال تشونغ إن" العفو عن ماكسويل، وهي متاجرة بفتيات قاصرات، سيخلق مشكلة علاقات عامة ضخمة"، وتوقع أنه في أعقاب أي عفو، ستنتشر النساء اللواتي اتهمن إبستين على شاشات التلفزيون، ليروين قصصهن ويمزقن الإدارة إرباً.
وانضم بلير إلى معارضة مقترح العفو، وقال" لا يمكننا أن نقدم لماكسويل أي شيء، أولاً، لا أعرف لماذا نفعل ذلك أصلاً، وثانياً، إذا منحنا ماكسويل أي نوع من التخفيف، ثم خرجت لتقول كلاماً جيداً عنّا، أو قالت كلاماً جيداً عنّا ثم منحناها تخفيفاً، فسيُقوض ذلك الهدف كله من قولها كلاماً جيداً، وسيغذي ذلك نظرية المؤامرة، وإذا لم يكن لديها ما تقوله ويمكن أن يضرنا، فلا ينبغي أن نضطر إلى عرض أي شيء عليها".
وبينما كان الفريق الرئاسي يناقش هذه الخيارات، نشرت" وول ستريت جورنال" التقرير الذي كانوا يحاولون منعه، وبما أن الهواتف المحمولة محظورة داخل غرفة العمليات، فقد أحضر أحد الموظفين نسخاً مطبوعة من التقرير الذي شرح كيف أن ترمب وآخرين كثر أعدوا بطاقات ورسائل عيد ميلاد، جمعتها ماكسويل في كتاب خاص لمناسبة عيد ميلاد إبستين عام 2003، وكانت بطاقة عيد الميلاد المنسوبة إلى ترمب تتضمن رسماً لامرأة عارية، ومرفقة بحوار متخيل بين الرجلين عن" سر رائع"، وحملت الرسمة توقيعاً بدا أنه توقيع ترمب.
وتشير مقتطفات الكتاب إلى أنه بينما كانت المجموعة تجلس في صمت داخل غرفة العمليات تقرأ القصة كاملة، أعدت وايلز نفياً علنياً للرئيس، سرعان ما نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد نشر التقرير الصحافي لم يتأخر ترمب في تبني الخطة التي صاغها مستشاروه في غرفة العمليات، وكتب على منصته الاجتماعية أنه" استناداً إلى الكم السخيف من التغطية الممنوحة لجيفري إبستين، طلبت من المدعية العامة بام بوندي أن تقدم أي وكل إفادات هيئة المحلفين الكبرى ذات الصلة، رهناً بموافقة المحكمة، فهذه الخدعة التي يواصلها الديمقراطيون يجب أن تنتهي الآن".
وتسببت ملفات إبستين في انهيار الثقة بين بام بوندي، المدعية العامة آنذاك، ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ونائبه دان بونغينو، ففي اليوم الذي نشرت فيه وزارة العدل مذكرة كان الهدف منها إغلاق ملف إبستين، دخل بونغينو إلى اجتماع يومي، وانفجر غضباً في وجه بوندي، وأبلغ هو وباتيل مسؤولي البيت الأبيض أن على بوندي أن تستقيل، وفي اجتماع لاحق قال الاثنان إنهما يشتبهان في أنها سربت قصصاً ضارة عنهما، وعندما اتهمت وايلز بونغينو بتسريب من جانبه، غادر مجمع غرفة العمليات غاضباً، وحذر بونغينو مقربين منه سراً من أن أزمة إبستين ستصبح" إيران كونترا" الترمبية.
وخلال اجتماع لاحق عُقد في أغسطس (آب) 2025 داخل غرفة العمليات، أثار أحد كبار مساعدي الرئيس ادعاء غير مثبت، منقولاً عن طرف ثان يعود لما يقارب عقداً من الزمن، عن قيام ترمب بقرص وامتصاص حلمتي امرأة شابة بعنف إلى أن بدتا" مؤلمتين على نحو لا يصدق"، وقد ظهر الادعاء عام 2024 في وثائق قضائية رُفعت عنها السرية، ضمن دعوى مدنية لا علاقة له بها، وعندما أثار مسؤول آخر المسألة، أشار فانس إلى ضرورة إدراج هذا الادعاء، وكثير من الاتهامات الأخرى، على موقع وزارة العدل، قائلاً إن ذلك سيظهر أقصى درجات الشفافية، وإن ترمب لن يمانع، لأنه سبق أن اتُهم بما هو أسوأ، لكن وايلز أغلقت النقاش قائلة إن الرئيس لن يكون مرتاحاً لنشره، وذكر مسؤول لاحقاً أن النقاش حول هذا الادعاء داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض كان" سريالياً"، وفق الكتاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك