حين تجلس أمام مجرم، أو سارق، أو بلطجي، قد تصدمك نبرته الواعظة وهو يتحدث عن المبادئ، ويبرر سلوكه بمنطق أخلاقي خاص.
هذا التناقض ليس مجرد نفاق عابر؛ فالأخلاق في عمقها هي القاسم المشترك بين البشر، بعضنا يتمسك بها قولا وعملا، بينما يكتفي معظمنا بالحديث عنها.
لكن الحقيقة المطلقة التي تجمع الفاسد والمصلح هي: لا أحد يمكنه العيش في مجتمع انعدمت فيه الأخلاق تماما، وأصبحت صفرية.
لذا، لا تعجب حين تسمع دكتاتورا يتغنى بالفضيلة، أو ترى قتلة يمارسون الإبادة والظلم - أمثال نتنياهو - يحاضرون في الإنسانية، أو تجد رئيسا براجماتيا مثل ترامب ينادي بالقيم.
إن الفاسد، قبل الصالح، يدرك أن الأخلاق هي سر بقاء المجتمعات، وأن انهيارها يعني الفوضى التي تنهي الحياة على الأرض، وهي المؤشر الحتمي لعلامات الساعة ونهاية الزمان.
لو وضعت أعتى المجرمين بين خيارين: أن يعيش في مجتمع من القتلة واللصوص، أو في مجتمع من الأتقياء والمصلحين، لاختار بلا تردد مجتمع المصلحين.
فما هو السر وراء هروب المجرم من بيئة تشبهه؟1: سيكولوجية الجريمة: الأخلاق كبيئة حاضنة للفسادفي الظاهر، تبدو العبارة متناقضة؛ فالمتبادر إلى الذهن أن المجتمع الخالي من الضوابط هو الجنة الموعودة لكل خارج عن القانون.
لكن القراءة العميقة لسيكولوجية الجريمة تكشف عن مفارقة مذهلة: المجرمون هم أكثر الفئات احتياجا للاستقرار الأخلاقي من حولهم لكي يمارسوا إفسادهم بأمان!إنهم يعتمدون كليا على التزام الآخرين بالقواعد، ليكونوا هم الاستثناء الذي يتربح من كسرها.
2: الملاذ الآمن: وحش في الشارع.
يبحث عن ملاك في البيتلا يمكن للمجرم، مهما بلغت قسوته، أن يعيش في حالة حرب شعواء على مدار الساعة.
إنه بحاجة ماسة إلى وكر دافئ يلتقط فيه أنفاسه، وهنا تتجلى الأنانية النفعية:• في دائرته الضيقة: يتوقع المجرم من زوجته، وأولاده، وأصدقائه، وجيرانه أن يتعاملوا معه بـ" أخلاق الأنبياء".
• أمان العائلة: يريد زوجة صالحة تحفظ سره، وجيرانا نبلاء يحمون ظهره ولا يؤذون أطفاله في غيابه، وأصدقاء أوفياء لا يعرفون الغدر.
إنه يطالب محيطه الصغير بالصدق والأمانة المطلقة ليضمن سلامته، ثم يخرج إلى الشارع ليتعامل مع بقية العالم بأخلاق الغابة.
3: " شرف اللصوص": قانون بقاء وليس رفاهيةالعبارة الشهيرة" شرف اللصوص" ليست مجرد تعبير مجازي، بل هي دستور صارم تفرضه غريزة البقاء.
الجريمة المنظمة تحتاج إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة بين أطرافها لتستمر.
حين يسرق المحتال أو ينكث بعهده، فهو يفعل ذلك مستفيدا من بيئة عامة يغلب عليها الوفاء بالعهود.
فإذا انحل المجتمع بالكامل، وتحول الجميع - بما فيهم شركاء المجرم وأقرباؤه - إلى مستنقع بلا ضوابط، يسقط صمام الأمان هذا.
عندما يتوقع اللص الخديعة من أخيه، والوشاية من جاره، تنهار حياته ويفقد القدرة على التخطيط أو الاستمرار.
في المجتمعات التي تحكمها القيم، يستطيع الخارج عن القانون أن" يرتاح" في بيته لأنه يعلم أن هناك خطوطا حمراء وأصولا مرعية لن يتخطاها جيرانه أو أعداؤه.
أما في مجتمع بلا أخلاق، فيفقد هذا الفاسد أمانه الشخصي؛ لأن كل من حوله تحولوا إلى" مشاريع مجرمين" بلا كوابح.
هذا التحول المرعب يفرض عليه عيش الحياة في حالة استنفار قصوى (24 ساعة في اليوم)، متأهبا دوما للدفاع عن نفسه ضد الابتزاز، أو الغدر، أو التصفية الجسدية من أقرب الناس إليه.
هذا الجحيم النفسي يجعله أول الباحثين عن بيئة أخلاقية يلوذ بها ليأمن على نفسه وعرضه وماله.
الأخلاق ليست ترفا فكريا أو شعارات يرفعها المثاليون، بل هي" البنية التحتية" الحتمية والسقف الذي يحمي البشرية من الهلاك الذاتي.
رغبة المجرم في وجود مجتمع صالح ليست توبة أو صحوة ضمير، بل هي غريزة بقاء نفعية بحتة.
والمفارقة الكبرى أن المفسد الذي يظن أنه يتكسب من هدم قيم المجتمع، هو أول ضحايا هذا الانهيار؛ فالمجتمع الذي يسقط قيميا لا يرحم أحدا، حتى أولئك الذين ساهموا في إسقاطه.
تظل الأخلاق هي الدرع الذي يحمي الجميع.
وتحمي المجرمين - للمفارقة - من أنفسهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك