حكايات المدن العريقة دائماً لها طعم ولون مغاير حينما تصبح حديث الرأي العام، ويتداولها الجميع في مجالسهم وبيوتهم وحوارات منتدياتهم.
واليوم أصبحت الأحداث النادرة تشد الكثير من المهتمين، خاصة من لهم علاقة بالكتابة الأدبية أو الصحفية، وحتى المؤرخ الذي يهتم بهذا الشأن حيال عمليات التوثيق التاريخي.
درنة هي إحدى المدن التي عرفت في ليبيا بطبيعة سيكولوجية أهلها، وتأثيرات جغرافيتها، وإسقاطات حجم ثقافة ووعي قاطنيها منذ الفتح الإسلامي مروراً بالأندلس، وحتى «تجريدة حبيب» والتي لا زال الخلاف قائماً بشأنها.
في الستينيات، كانت درنة ضئيلة السكان لا يتجاوز سكانها 35 ألف نسمة، لكن حجم التعليم فيها كان كبيراً جداً مقارنة بحجم سكانها.
في العام 1928 كان هناك فصل دراسي للبنات، دراسة باللغة الإيطالية، وكنّ يرتدين الزي الليبي.
تواجدت فتاتان: فوزية العجيلي، وحليمة الثلثي، على خشبة المسرح في مسرحية «جميلة بوحيرد» في محطة كانت النساء في ليبيا لا تخرج إلا بغطاء رأس يسمى «البيشة».
امتلأت الجامعات الليبية من طالباتها قبل طلابها، وخرجت فتياتها للعمل في المصارف والدوائر الحكومية مبكراً.
وصلت فاطمة عاشور عام 1962 لمنصب وزير مفوض في الخارجية الليبية، وكانت أول امرأة عربية تدخل العمل الدولي في الأمم المتحدة، وأصبحت فيما بعد مستشاراً لكورت فالدهايم.
يقول عابد الجابري المفكر المغربي: «إن قضية المرأة جزء من مشروع النهضة والتحديث في المجتمع العربي، وأن تحقيق تقدم المجتمع يتطلب تمكين المرأة من حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة».
أحياناً التاريخ يعيد نفسه ولكن برؤى وأحداث حسب طبيعة المرحلة.
في منتصف الستينيات وقعت حادثة في درنة كادت تسبب شرخاً اجتماعياً كبيراً لأنها تتعلق بمبادئ الدين آنذاك، حيث خرج الناس خلف جنازة راهبة إيطالية كانت تعمل في المدينة وتقوم بأعمال إنسانية وتدعى «سبيرنسا» -أي الأمل بالعربي- لكن الوعي وثقافة الناس جعلت الحادثة شيئاً عابراً على الرغم من المشاحنات التي وقعت بين البعض من المتشددين وأصحاب الرؤى التنويرية التي تعتبر الإسلام ديناً سمحاً يحترم كافة الأديان السماوية.
وقام الشيخ عبد السلام بن عمران -من علماء المدينة- بفتوى خرج الناس بموجبها أمام جنازة سبيرنسا تقديراً لخدماتها الإنسانية، والجثمان خلفهم كي يصبح الصليب المسيحي خلف المشيعين.
واليوم، ترشحت النائبة في البرلمان «انتصار شنيب» لرئاسة مؤسسة رياضية، وهي نادي دارنس في درنة، وفوجئ الجميع وسط لغط إعلامي كبير على منصات التواصل بين قادح ومادح، وبدأت المدينة في جدل ونقاشات على المستويات كافة: مقاهٍ، و بيوت، وإعلام الميديا.
جماهير النادي شكلت دعماً لشنيب في مهمتها الرياضية وقامت بدعمها كي تصل للمنصب، ووسط هذا الكم الهيجاني تراجعت النائبة عن الترشح.
لكن ظلت الحادثة علامة بارزة بسبب حجم تناولها إعلامياً محلياً وعربياً لأنها نادرة وتحدث للمرة الأولى في ليبيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك