قبل ساعات من انطلاق كأس العالم 2026 الذي تستضيفه المكسيك إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، لم تكن الأجواء احتفالية خالصة كما هو متوقع.
فبدلاً من أن تنحصر الأنظار في كرة القدم، وجدت المكسيك نفسها في قلب عواصف سياسية واجتماعية متعددة، جعلت من هذا المونديال حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس.
احتجاجات المعلمين وعائلات المختفينفي المشهد الأبرز، خرج آلاف المحتجين إلى شوارع مكسيكو سيتي، مستغلين الأضواء الإعلامية المسلطة على البطولة.
قاد المعلمون المنتمون إلى" المنسقية الوطنية لعمال التعليم" (CNTE) موجة احتجاجات رفعوا خلالها شعارات تطالب بزيادة الأجور وتحسين المعاشات.
أقاموا مخيمات ضخمة حول ساحة" الزوكالو"، قلب العاصمة، مما منع السياح والمشجعين من الاقتراب من أحد أهم المعالم السياحية في المدينة.
إلى جانب المعلمين، برزت أصوات عائلات المختفين، الذين تجاوز عددهم رسميًا 130 ألف شخص في المكسيك.
حمل أفراد هذه العائلات صور أقاربهم المفقودين وارتدوا قمصانًا بيضاء كُتبت عليها أسماؤهم، ورفعوا لافتات تقول: " الكرة تعود إلى الديار.
لكن مختفينا متى يعودون؟ ".
نظمت هذه العائلات مسيرة سلمية في" كالزادا دي تلالبان"، لكن قوات الأمن حالت دون وصولهم إلى ملعب" أزتيكا"، فاكتفوا بالوقوف خلف الأسوار الحديدية مرددين: " لأنهم أخذوهم أحياء، نريدهم أحياء".
اللافت أن المؤثرين وصناع المحتوى الذين قدموا من جميع أنحاء العالم لتوثيق الأجواء الكروية، فوجئوا بهذه الاحتجاجات.
سرعان ما انتشرت مقاطع فيديو على تيك توك ويوتيوب تظهر" الوجه الآخر للمونديال"، مما أثار نقاشًا واسعًا حول الفجوة بين الصورة الترويجية للمكسيك والواقع الاجتماعي المأزوم.
اتهامات بالتآمر لتعكير صورة البطولةفي تطور سياسي لافت، اتهمت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم رجل الأعمال ريكاردو ساليناس بليجو، المالك لقناة" تلفزة أستكا"، وجماعات اليمين المتطرف بالسعي" لتعكير صورة المكسيك أمام العالم".
وعرضت شينباوم مقطعًا مسربًا لساليناس يدعو فيه إلى" إجراءات أكثر خشونة" من المظاهرات السلمية، معتبرة أن ذلك" تحريض على العنف".
من جانبه، رد ساليناس عبر منصة" X" باتهام الحكومة بأنها" نظام مخدرات"، وقال ساخرًا: " الآن، المسؤول عن كل شيء هو والدك، ريكاردو ساليناس".
ووسط هذا التبادل الاتهامي، طمأنت شينباوم الشعب المكسيكي والجماهير العالمية، مؤكدة أن" كل شيء تحت السيطرة" وأن الحكومة" لن تقع في الاستفزاز".
تزامنت هذه التصريحات مع ذكرى مذبحة طلاب تلاتيلولكو عام 1968، التي وقعت قبل أيام من أولمبياد مكسيكو سيتي، حيث فتح الجيش النار على محتجين.
وقطعت شينباوم الطريق على أي سيناريو مشابه، مؤكدة أن الأمن سيتعامل" بحكمة وضبط للنفس" ولن يتم استخدام القمع.
أزمة صناديق الملعب.
إرث من عام 1966على صعيد آخر، واجه منظمو البطولة تحديًا قانونيًا غير متوقع.
هدد أصحاب أكثر من 15 ألف مقعد من صناديق كبار الشخصيات في ملعب" أزتيكا" بمقاطعة المباريات، بسبب نزاع مع الفيفا حول حقوقهم.
تعود جذور الأزمة إلى عام 1966، عندما بيعت هذه الصناديق بحقوق غير مقيدة لمدة 99 عامًا، شملت جميع الفعاليات الرياضية.
لكن الفيفا تتمسك بسيطرة كاملة على الملاعب خلال البطولة، وهو إجراء تتبعه منذ كأس العالم 1998.
وهدد أصحاب الصناديق بالاحتجاج بدعم من نقابة المعلمين إذا لم يتم فتح حوار معهم.
أزمة المنتخب الإيراني بين المكسيك وأمريكافي الملف الدبلوماسي الأكثر تعقيدًا، رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرات الدخول لـ15 فردًا من بعثة المنتخب الإيراني، بينهم رئيس الاتحاد الإيراني.
اتهمت طهران واشنطن بـ" الاستهداف المتعمد" و" التدخل السياسي في الرياضة"، بينما بررت أمريكا موقفها بالقول إنها لن تسمح" بالتسلل بهذا النظام لإدخال إرهابيين إلى أمريكا".
هنا تدخلت المكسيك كوسيط إنساني، فعرضت استضافة المنتخب الإيراني في مدينة تيخوانا الحدودية.
قال المدرب الإيراني أمير جالينوي: " نشكر المكسيك على مساعدتها، لكننا نأسف للتأخير الذي أثر على استعداداتنا".
ومن المقرر أن يسافر اللاعبون إلى الولايات المتحدة يوم المباراة فقط، ثم يعودون مباشرة إلى المكسيك.
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل امتدت إلى الجماهير الإيرانية، حيث كشفت تقارير إعلامية أن الفيفا سحب جزءًا من حصة التذاكر المخصصة لبيعها للمشجعين الإيرانيين.
كما خرجت احتجاجات في لوس أنجلوس طالبت باستبعاد إيران من البطولة، وشارك فيها لاعبون سابقون وناشطون من الجالية الإيرانية الأمريكية.
مع توقعات بوصول 5.
5 ملايين زائر، وتأمين بـ100 ألف جندي وشرطي، تبقى الأيام المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة المكسيك على تنظيم حدث عالمي دون أن تطغى السياسة والاحتجاجات على جمال اللعبة.
المؤكد أن مونديال 2026 سيدخل التاريخ ليس فقط بنتائجه الرياضية، بل بكونه واحدًا من أكثر النسخ إثارة للجدل على الإطلاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك