جوستافو بيترو، في صيف عام 2022، كانت كولومبيا تقف على أعتاب لحظة تاريخية فارقة.
فالدولة التي اشتهرت بجبالها الخضراء ومزارع البن التي جعلت القهوة جزءا من هويتها الوطنية، كانت تستعد لكتابة فصل جديد غير مسبوق في تاريخها السياسي.
ومن قلب هذا المشهد، صعد جوستافو بيترو، مرشح ائتلاف" الميثاق التاريخي"، إلى قمة السلطة، ليصبح أول رئيس يساري يصل إلى سدة الحكم في البلاد.
وفي بلد يعرف بـ" بوابة أمريكا الجنوبية"، ويحمل اسم المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس، واشتهر بطبيعة شعبه التي لا تتوقف عن الاحتفال رغم معاناته من 50 عاما من الحروب الأهلية، لم يكن فوز بيترو مجرد تحول سياسي عابر، بل بدا وكأنه انعطافة تاريخية أعادت رسم ملامح الدور الكولومبي على الساحة الدولية.
فالدولة التي ارتبط اسمها لعقود بالقهوة والصراعات الداخلية، مثلما اشتهرت بكونها ثاني أكبر دولة مصدر للزهور في العالم، وثاني أكبر دولة من حيث تنوع النباتات والفراشات وأسماك المياه العذبة، وجدت نفسها في عهد بيترو تتبنى خطابا أكثر جرأة في قضايا العدالة وحقوق الشعوب، لتتحول إلى أحد أبرز الأصوات الداعمة للحقوق الفلسطينية في أمريكا اللاتينية، حاملة على عاتقها مسؤولية الدفاع عن شعب يواجه الاحتلال والحرب، ومقدمة نفسها بوصفها صوتا للعدالة في عالم تتسع فيه مساحات الصمت.
بيترو وأغنية شاكيرا في كأس العالم" كنت تعلم منذ يوم ولادتك أنك تنتمي إلى هذا المكان.
لقد كنت شجاعا طوال هذا الوقت.
وما لم يكسر حدتك يوما هو ما جعلك أقوى الآن.
هيا، هيا، لننطلق"؛ كلمات أغنية المطربة الكولومبية الشهيرة شاكيرا في افتتاح كأس العالم 2026، لكنها تبدو اليوم وكأنها تتردد أيضا في خطابات الرئيس الكولومبي.
فمن على المنابر الدولية، لا يتحدث بيترو بصفته رئيسا لدولة فحسب، بل كصوت يدعو العالم إلى النهوض في مواجهة العنصرية والتمييز، وإلى التصدي لمن" يوظفون العلم والتكنولوجيا لخدمة الحروب والصراعات"، و" مواجهة قوى قليلة تسعى إلى احتكار مصادر الطاقة والتحكم بمصائر الشعوب".
وبينما تحث أغنية شاكيرا الجماهير على الانطلاق وعدم الاستسلام، يبدو أن الرئيس الكولومبي يحاول توجيه الرسالة نفسها إلى المجتمع الدولي: آن الأوان للوقوف في وجه الظلم، وكسر هيمنة القوة، والدفاع عن حق الشعوب في العدالة والكرامة وتقرير مصيرها.
إسرائيل تشبه النظام النازيوفي كلمته أمس أمام مجلس الأمن الدولي، هاجم بيترو حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة قائلا: قتل الاحتلال الإسرائيلي عشرات الآلاف في غزة، وأمطر الإسرائيليون الناس، وحتى الأطفال، في القطاع بالصواريخ؛ ولا يمكن إخفاء هذه الأرقام، ولا يمكن لأي مصلحة سياسية أو اقتصادية أن تخفي هذه الحقيقة.
وقال بيترو: هذا هو القاسم المشترك الحقيقي لما سأقوله هنا، وهو أننا نعود إلى الحقبة النازية.
إن توظيف العلوم لأغراض حربية ومطامع القلة في السيطرة على مصادر الطاقة تسببا بفاجعة غزة.
والمشاهد التي يشهدها القطاع تذكر بأحلك الفترات في القرن العشرين.
يرى بيترو أن العالم يقف عند منعطف خطير يعيد إلى الأذهان ظلال حقب مظلمة من التاريخ، معتبرا أن ما يجري اليوم ليس سوى عودة، بصيغ جديدة، لروح" النازية" التي تتجلى في تسخير العلم لخدمة الحروب، وفي سعي قوى محدودة إلى الهيمنة على موارد الطاقة.
ومن هذا المنظور، يربط بيترو بين هذه التحولات وبين المأساة الإنسانية التي شهدتها غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، بوصفها إحدى أبرز تجليات هذا الانحدار العالمي نحو العنف وعدم العدالة.
هيا، هيا، لننطلق"، هكذا تدعو كلمات أغنية كأس العالم الجماهير إلى الحركة وكسر القيود؛ كلمات يكملها بيترو على طريقته الخاصة، إذ رفع سقف خطابه إلى أقصى حد، مهاجما ما وصفه بـ" العنصرية البيضاء ضد المهاجرين"، مقدما نفسه في صورة مناضل صلب أمام" عودة أفكار الإقصاء والتفوق العرقي بثوب جديد".
دخول السياسة عبر بوابة الكفاح المسلحولد الرئيس الكولومبي في 19 أبريل 1960 في شمال كولومبيا لعائلة من العمال الريفيين الذين اضطروا، مثل كثيرين في البلاد، إلى الهجرة نحو العاصمة هربا من الفقر والعنف؛ وتخرج في جامعة كولومبيا إكسترنادو، ونال الماجستير في الاقتصاد، إضافة إلى دكتوراه في إدارة الأعمال؛ وبرز منذ شبابه كفاعل سياسي، وتعرض للسن لمدة عام ونصف، حيث انخرط في حركة" 19 أبريل" المسلحة، التي تحولت لاحقا إلى مسار سياسي مدني ضمن عملية السلام.
ومع هذا التحول، دخل بيترو الحياة السياسية الرسمية عبر حزب التحالف الديمقراطي، ليصبح من أبرز وجوهه، وينتخب عضوا في مجلس النواب عام 1991.
وواصل بيترو مسيرته السياسية وصولا إلى توليه منصب عمدة بوغوتا بين عامي 2012 و2015، حيث عزز حضوره كأحد أبرز السياسيين التقدميين في كولومبيا.
وعلى المستوى الأكاديمي، يحمل خلفية علمية في الإدارة العامة والاقتصاد والتنمية، إذ، ما منحه مزيجًا من الخبرة الفكرية والسياسية في مسيرته العامة.
يقول بيترو: هناك في نهاية المطاف خياران.
إما أن نبقى على ما لدينا، الفساد والعنف والجوع، وإما أن نحدث تغييرا للمضي نحو السلام والتقدم وديمقراطية تتسم بالشفافية".
" نحن أكثر من مجرد لحم وعظام"، هكذا تقول كلمات أغنية شاكيرا الخاصة بكأس العالم، في إشارة تتجاوز بعدها الغنائي لتتحول إلى صدى رمزي يتردد في خطاب بيترو، الذي دعا إلى" تأسيس جيش عالمي لتحرير فلسطين" في كلمته أمام الجمعية العامة في 23 سبتمبر 2025.
ويرى بيترو أن عالما تهيمن عليه قوة واحدة، ويتواطأ مع الإبادة، لا يمكنه الادعاء بالدفاع عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان، في موقف يعكس تصعيدًا واضحًا في خطابه السياسي تجاه النظام الدولي القائم.
وأضاف في استعارة لافتة من مؤسس ورئيس كولومبيا الكبرى ومحرر العديد من الدول اللاتينية سيمون بوليفار: " لقد سئمنا من الكلام… حان وقت سيف الحرية أو الموت".
لذا؛ شكل وصول بيترو إلى رئاسة كولومبيا في يونيو 2022 زلزالا سياسيا في بلد احتكرت فيه النخب المحافظة الحكم لعقود طويلة، فيما رأى كثير من الكولومبيين في هذا الانتصار تحقيقا لحلم طال انتظاره، في بلد أنهكته التفاوتات الاجتماعية، حيث ارتبط صعوده بلحظة رمزية تعبر عن جموح شعبي للحرية السياسية والتغيير، بما يجعل السياسة نفسها امتدادا لحياة يومية بسيطة محملة بالأمل والمعنى؛ مثلما عكست تصريحاته بأن" المخرج الأول للبشرية هو إزاحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الحكم"، الملمح الأكبر في خصومته لسيد البيت الأبيض.
خطابات بيترو لن تغير العالم غدا، لكنها تشبه في صداها عبارات سيمون بوليفار التي ألهمت قارة بأكملها بالبحث عن التحرر، أو كما تقول أغنية شاكيرا: " من الغبار والدموع، نصنع الذهب"، في إشارة هامسة بأن الألم، مهما طال، يمكن أن يتحول إلى معنى، وأن صرخات اليوم قد تصبح غدا بداية حكاية لم تكتب فصولها بعد؛ كحكاية ربما كانت غزة بطلة لقصة تستحق الحياة.
خطابات بيترو لن تغير العالم غدا، لكنها تتردد كصدى بعيد يشبه تلك العبارات التي أطلقها سيمون بوليفار يوما، فصارت شرارة أيقظت قارة بأكملها على حلم التحرر.
وكأن التاريخ يعيد نفسه بلغات مختلفة.
وفي قلب هذا المشهد، تعود أغنية شاكيرا لتهمس: " من الغبار والدموع نصنع الذهب"، في إشارة إلى أن الألم، مهما طال، يمكن أن يتحول إلى أمل، وأن صرخات اليوم قد تصبح غدا بداية حكاية لم تكتب فصولها بعد؛ حكاية قد تكون فيها غزة، رغم الجراح، بطلة قصة ما زالت تصر على حقها في الحياة، وأسطورة ربما يكون بيترو أحد رواة ملامحها في عالم اعتاد الاحتماء بجدران الصمت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك