رددناها ساخرين.
مجموعة من الأصدقاء الكرويين والمهتمين بالشأن العام، مصحوبة بتعليقات أخرى تترحّم على الماضى وزمن «الفساد الوسطى الجميل» فى كرة القدم العالمية، تعليقًا على تصريحات رئيس الاتحاد الدولى السابق لكرة القدم (فيفا) سيب بلاتر بشأن الإجراءات الأمنية القمعية للسلطات الأمريكية ضد أعداد غير محصورة حتى الآن من المشجعين والأشخاص المشاركين فى كأس العالم، وعلى رأسهم الحكم الصومالى الأفضل فى أفريقيا عمر عرتن، الذى مُنع من دخول ميامى ورحّلته السلطات فى واحدة من أسوأ لحظات الرياضة الدولية على الإطلاق.
«ولا يوم من أيامك يا بلاتر».
فهو الوحيد الذى انبرى للحديث بصراحة عن مهازل إدارة دونالد ترامب، بغض النظر عن أى اتهامات سابقة بالفساد له ولرئيس الاتحاد الأوروبى لكرة القدم السابق ميشيل بلاتينى، والتى – بالمناسبة - انتهت بصدور حكم قضائى سويسرى فى مارس 2025 ببراءتهما، لكن أحدًا لم يسمع شيئًا عن هذا الحكم، فبقيت فى الأذهان فقط التحقيقات القضائية الأمريكية والأوروبية، والتقارير الصحفية والأفلام الوثائقية التى نسبت لبلاتر وبلاتينى تلاعبات ضخمة، والتى تسببت جميعًا فى منعه من ممارسة النشاط عام 2015.
ولم ينف بلاتر مزاعم فساد الفيفا خاصة فى ملف استضافة كأس العالم، لكنه نأى بنفسه عن تقاضى أموال أو هدايا، ونسب ذلك إلى مسئولين أصغر منه، مع غمز ولمز مستمرين تجاه خليفته الرئيس الحالى للاتحاد جيانى إنفانتينو، المسئول الأول عن التنظيم الفاشى لكأس العالم الحالية.
كرجل سياسة وإدارة قديم يعرف بلاتر جيدًا أن منح كل الصلاحيات الأمنية والفنية للدولة المضيفة يُفقد كأس العالم معناه.
ومهما بلغت السطوة والحظوة بالقدرات المالية والعسكرية فهناك حد أقصى للقيود الداخلية لا يمكن القبول بتخطيه، وهناك أيضًا خطوط حمراء تحافظ على استقلالية الحدث الرياضى العالمى، سواء كان دورة أوليمبية أو كأس عالم أو كأس قارية، لا يجوز التفريط فيها.
لقد جرى العرف الدولى على أن الدولة المضيفة تتنازل عن ممارسة بعض سلطاتها السيادية –أو ترشّد استخدامها- خلال فترة تنظيمها للحدث الرياضى فى صورة تسهيلات أمنية وتخفيف لقيود الدخول والإقامة وتغيير أنماط الترصد والمراقبة، نظير مكاسب اقتصادية هائلة تأتى من الإقبال الجماهيرى فضلًا عن الترويج السياحى والهالة الإعلامية والدعاية السياسية أيضًأ، وإلّا.
فلماذا من الأساس تقبل الدول على تنظيم فعاليات بهذه الضخامة؟ !الخطير الآن أن ترامب يهيل التراب على تلك القواعد، ليس بمساعدة إنفانتينو وحده، وإنما بصمت العالم كله.
ففى عالم مثالى كانت هذه الكوارث التنظيمية جديرة برد جماعى قاسٍ يصل إلى حد التلويح بالمقاطعة ومغادرة أمريكا، على الأقل لرفع تكلفة تلك الممارسات الجنونية، ووضع الفيفا أمام مسئولياتها التاريخية.
لكننا لم نسمع اسم الكاف ولا الاتحاد العربى (الصومال عضو فى كليهما) ولم تهتم اليويفا ولا أى اتحاد محلى أو إقليمى، عدا كندا باعتبارها شريكة أمريكا فى التنظيم.
أما الأنظمة السلطوية فهى تتابع ما يحدث بسعادة لأنه سيفتح الباب أمام تغييرات جذرية مستقبلًا فى التعامل مع المنظمات الدولية والجماهير الأجنبية والفعاليات الكبرى.
فالمسألة لا تتعلق بالحكم الصومالى وبفخر حُرمت منه بلاده، ولا بالتفتيش المقزز للاعبى السنغال ومشاركين آخرين من أفريقيا، أو منع إداريين ومشجعين.
فما يحدث بالضبط هو تحويل الحدث من طبيعته الدولية العابرة للحدود كملتقى إنسانى ورياضى يتجاوز كل أشكال التمييز ويسمو فوق الخلافات والحساسيات، إلى مجرد فعالية محلية تخضع بنسبة 100% للسياسات الأمنية الداخلية.
وهذا بالضبط جوهر مساعى «الفاشية الدولية» بانتزاع القدر اليسير الباقى من المشاركة الإنسانية، من جميع المحافل، وتقديم ممارسة السيادة المحلية بأشرس صورها ضد المساواة والشرعية، وضرب أبسط مبادئ التواصل البشرى بالقوة الغاشمة.
دون أن يقصد، عبّر إنفانتينو عن هذا الاتجاه بتصريحاته الكارثية منذ ساعات.
قال: «نحن فى الفيفا لسنا ملوك العالم ولا نستطيع التحكم فى كل شىء.
عالمنا أصبح شرسًا للغاية والدواعى الأمنية فوق كل اعتبار، وعلينا احترام القرارات السيادية».
إنه التسليم والرضوخ بألف ولام التعريف.
والشعور المتناهى بالضآلة، وانعدام الحس السياسى، والسعى لإرضاء صاحب السلطة أيّا كانت الظروف والتفاصيل.
وهى السمات ذاتها التى تستشعرها وهو برفقة ترامب يهديه كئوسًا ودروعًا ذهبية غريبة الشكل فى المكتب البيضاوى، وهو يتعامل مع الزعماء الآخرين فى المناسبات العامة، وعندما حاول إجبار رئيس الاتحاد الفلسطينى جبريل الرجوب على مصافحة رئيس الاتحاد الإسرائيلى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك