لم يكن ما فعله جياني إنفانتينو في مكسيكو مجرّد التفاتة إنسانية عابرة.
كان عملاً سياسياً محسوباً، تمّ تحت أضواء كأس العالم، عشيّة مباراة الافتتاح.
وباسم مؤسسة رياضية يفترض أنها لا تتدخل في شؤون الدول ولا تمارس الضغط العلني على سلطاتها القضائية والسيادية.
حين خصّص رئيس الفيفا كرسياً فارغاً للصحفي الفرنسي كريستوف غليز، ودعا علناً إلى منحه “عفواً رئاسياً” في الجزائر.
لم يكن يتكلم كحارس لكرة القدم، بل كفاعل ضغط دولي اختار أن يستخدم المسرح الكروي العالمي للتأثير في ملف قضائي جزائري فصلت فيه محكمة، وأكدته محكمة استئناف.
وهنا تبدأ الفضيحة الحقيقية.
ليست القضية في التعاطف مع شخص، ولا في حق أي منظمة في التعبير عن موقف.
القضية في أن رئيس الفيفا، وهو على رأس مؤسسة يفترض أنها رياضية عالمية، نصب نفسه فوق الحدود، وفوق القضاء، وفوق سيادة دولة مستقلة، وقرر أن يحوّل مؤتمراً كروياً إلى منصة ضغط رمزي على الجزائر.
لماذا الآن؟ ولماذا من منصة كأس العالم؟ ولحساب أي مناخ سياسي وإعلامي؟هذه الأسئلة ليست هامشية.
إنها قلب الموضوع.
فإنفانتينو لم يكتشف فجأة قيمة الحرية، ولم يستيقظ ضميره فجأة على مصير الصحفيين.
هذا الرجل نفسه ترأس فيفا صمتت أو ترددت أو ناورت في ملفات أكثر دموية، وأكثر اتصالاً بالرياضة نفسها.
في فلسطين، قُتل رياضيون ولاعبون ومدربون، ودُمّرت ملاعب وبنى رياضية.
وحين رفع خبراء أمميون مطلباً رسمياً إلى الفيفا في سبتمبر 2024 لتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي، اختارت زيورخ لغة الإجراءات واللجان والتأجيل.
اكتفت بغرامة مالية، ورفضت طلب الفلسطينيين تعليق العضوية بسبب أندية تنشط في مستوطنات داخل أراضٍ محتلة.
حين تعلق الأمر بإسرائيل، صار الحياد مقدساً، وصارت عبارة “كرة القدم لا تحل المشكلات الجيوسياسية” عذراً كافياً للانتظار.
أما حين تعلق الأمر بملف قضائي جزائري، فقد وجد إنفانتينو صوته كاملاً، ومنبره كاملاً، ورمزيته كاملة.
هذه ليست إنسانية.
هذه انتقائية.
وليست شجاعة.
إنها اصطفاف ناعم.
في قطر، ألقى إنفانتينو خطاباً طويلاً مسرحياً قال فيه إنه يشعر بأنه “عامل مهاجر”، ووصف انتقادات حقوق الإنسان بأنها “نفاق”.
لكن منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت لاحقاً وعود الفيفا بتعويض العمال المهاجرين بأنها “أكاذيب صريحة”، وأن أغلب الانتهاكات كانت “متوقعة وقابلة للتفادي”.
قال إنه يشعر بأنه عامل مهاجر، لكن آلاف العمال الذين دفعوا كلفة البطولة لم يكونوا بحاجة إلى استعارات عاطفية، بل إلى إنصاف فعلي لم يأتِ.
في الولايات المتحدة، اقترب رئيس الفيفا من مراكز القرار السياسي إلى درجة جعلت المؤسسة تبدو أقرب إلى شبكة مصالح منها إلى هيئة رياضية مستقلة.
وحين منح دونالد ترامب أول “جائزة فيفا للسلام” في ديسمبر 2025 — وهي جائزة استُحدثت قبل شهر واحد فقط — قال إنه “موضوعياً يستحقها”.
جوائز مصنوعة على المقاس، ومجاملات علنية، وحرص واضح على عدم إغضاب القوة التي تستضيف الجزء الأكبر من كأس العالم.
وفي إفريقيا، لم تعد الفيفا تُرى فقط كمنظمة راعية للعبة، بل كقوة مركزية تسعى إلى ضبط التوازنات داخل القارة، مستفيدة من وزن الاتحادات الإفريقية الأربعة والخمسين داخل معادلة التصويت الدولية.
إنها كرة القدم حين تتحول إلى إدارة نفوذ.
لكن الجزائر ليست ساحة مفتوحة لهذا النوع من الاستعراض.
الجزائر دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها، وقضاؤها، وقوانينها، وتقديرها الأمني والسياسي.
ومن حق أي طرف أن يختلف مع حكم قضائي، ومن حق أي صحفي أن يجد من يدافع عن قضيته بالطرق المشروعة.
لكن ليس من حق رئيس الفيفا أن يستعمل كأس العالم كأداة ضغط معنوي على رئيس دولة، وأن يطلب عفواً رئاسياً علناً وكأن الجزائر مطالبة بتعديل قراراتها تحت إيقاع التصفيق الإعلامي الغربي.
الخطير في خروج إنفانتينو ليس فقط ما قاله، بل المكان الذي قاله فيه، والتوقيت الذي اختاره، والرمزية التي أراد تصنيعها.
كرسي فارغ في مؤتمر عالمي ليس تفصيلاً بريئاً.
إنه صورة معدّة للاستهلاك الدولي.
إنه رسالة سياسية مغلفة بلغة إنسانية.
إنه تحويل لقضية قضائية جزائرية إلى مشهد إعلامي داخل أكبر تظاهرة رياضية في العالم.
وهنا يجب أن يكون الرد الجزائري واضحاً وبارداً: الفيفا ليست وصية على القضاء الجزائري، ورئيسها ليس مفوضاً سامياً فوق الدول، وكأس العالم ليس محكمة استئناف رمزية ضد قرارات دولة مستقلة.
من يريد الحديث عن حرية الصحافة فليتحدث عنها كاملة.
ليتحدث عن الصحفيين الذين يُقتلون في غزة.
ليتحدث عن الرياضيين الذين يُدفنون تحت الركام.
ليتحدث عن الملاعب التي تُمحى من الوجود.
ليتحدث عن الاتحادات التي تُحمى سياسياً رغم كل شيء.
أما أن تتحرك الفيفا بصوت عالٍ عندما يكون الملف فرنسياً، وتصمت أو تتردد عندما يكون الضحايا فلسطينيين أو أفارقة أو من خارج دائرة النفوذ الغربي، فذلك ليس دفاعاً عن القيم.
إنه استعمال للقيم بحسب الجهة التي تطلبها.
ولعلّ أصدق شاهد على هذه الانتقائية هو الملف الروسي: ففي فبراير 2026 دعا إنفانتينو إلى رفع تعليق روسيا، قائلاً إنه “لم يجلب سوى مزيد من الإحباط والكراهية”.
رحّب الكرملين بكلامه، ووصفته كييف بأنه “غير مسؤول”.
الحياد نفسه الذي تذرّع به أمام إسرائيل تخلّى عنه أمام روسيا، في اللحظة التي بدأت فيها واشنطن تليّن موقفها من موسكو.
إنفانتينو لا يتحرك صدفة.
إنه يقرأ اتجاه الريح قبل أن يهبّ.
إنفانتينو لا يدافع عن مبدأ ثابت.
إنه يدير حساسيته الأخلاقية كما تُدار الصفقات: بحسب ميزان القوة، وبحسب الكاميرا، وبحسب الجهة التي تنتظر منه الإشارة.
وهذا هو جوهر أزمة الفيفا في عهده.
مؤسسة ثرية، ضخمة، عالمية، لكنها أخلاقياً مترددة.
قوية أمام الضعفاء، حذرة أمام الأقوياء.
عالية الصوت في الملفات التي تخدم المناخ السياسي والإعلامي الغربي، خافتة الصوت في الملفات التي تكشف حدود شجاعتها.
خروج إنفانتينو بخصوص كريستوف غليز لا يمكن فصله عن هذا النمط.
إنه فصل جديد في تاريخ فيفا تتحدث عن الحياد حين يناسبها، وتتخلى عنه حين يتحول الحياد إلى عبء على علاقتها بمراكز النفوذ.
أما الجزائر، فليست مطالبة بأن تعتذر عن سيادتها.
وليست مطالبة بأن تشرح لكل رئيس منظمة رياضية معنى استقلال القضاء، ولا معنى أن تتحمل دولة تبعات تاريخ طويل من محاولات الاختراق والتوظيف والتدويل.
لكن ليس من حق أحد أن يحوّل النقد إلى وصاية.
ومن حق الصحفي أن يجد من يدافع عنه.
لكن ليس من حق الفيفا أن تتحول إلى أداة ضغط على دولة مستقلة، ثم تختبئ خلف عبارة الإنسانية.
الإنسانية لا تكون انتقائية.
والحياد لا يكون موسميّاً.
والرياضة لا تكون غطاءً لتصفية الحسابات السياسية.
إنفانتينو أراد أن يترك كرسياً فارغاً باسم صحفي فرنسي.
لكنه كشف، من حيث لا يدري، الكرسي الأخلاقي الفارغ في قلب الفيفا نفسها.
ذلك الكرسي ليس في مكسيكو.
حيث تجلس مؤسسة تدّعي أنها تحكم لعبة العالم، لكنها كلما اقتربت من الحقيقة الكبرى، اختارت أن تنحني للقوة لا للمبدأ.
كرة القدم تستحق أفضل من هذا.
والجزائر تستحق احتراماً لا دروساً مسرحية.
أما إنفانتينو، فقد أثبت مرة أخرى أن مشكلته ليست في أنه يتكلم كثيراً.
مشكلته أنه لا يتكلم إلا عندما يعرف لمن سيُسمع صوته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك