منذ أن تصدّى الباحث المعرفي مجاهد عبدالمتعالي؛ للكتابة السابرة وأغوار الأزمات المجتمعية بمنقبة الشغف؛ تجلّت في أطروحاته شخصية (تراثيّ نابض بالحيوية والتجدد)، و(معاصر تتلبسه الأصالة من أُم رأسه إلى سويداء قلبه)، فيما هو مؤرق بإنسانية الإنسان الذي أدركه، وعايشه وهو ما زال على فطرته، وحاول منذ سِفره الأعمق (سياط الكهنوت) أن ينتصر للعفوية والبساطة المتجذرتين في ذاكرته وذكرياته، محتمياً بالنقاء الذي لم يتكلّفه قرويٌّ فاردٌ وجهه السخي للطير وشبّار الخير.
وفي الكتاب الأحدث (الحداثة البدويّة.
انحراف العقلانية ومأزق الحُريّة في العالم العربي) الصادر من أيام عن (متون المثقف)، انبرى لمساءلة الواقع عن أسباب قطع الطريق أمام سيرورة الخلق الطبيعية وصورتهم الواقعية؛ باعتبارها حصانة من الوقوع في مأزق مع خالق، وحماية من انتهاك خصوصية مخلوق، في زمن ما قبل الأدلجة والحكم على النوايا.
يرى الكاتب في البداوة حالة اجتماعية، لا صفة جينية؛ وينقض معرفيّاً (شجرة العائلة) لما لها من دوغمائية؛ ربما تجنح للتمييز والتعنصر، كون البعض، أعجز ما يكون عن استحضار جده السادس؛ لاعتبارات ثقافية، واقتصادية، فالبيئات كانت منشغلة بقوت يومها، لا إثبات نسبها، وكأنما هو يستحضر الأثر، (يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أملك لك من الله شيئاً؛ ومن بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه)، فالعودة إلى الإنساب، لإثبات الأفضلية إشكالية في ظلّ انعتاق أُمم بالمعرفة من أسر (الهياط الاجتماعي) والاستعاضة بالصناعة والاختراع و فلسفة الكون والحياة وفق معطيات عقلانية، لا تذعن للمستورد بداعي التمدن؛ ولا تقدّس البدائي بذريعة الخوف من التحولات.
جاء كتاب عبدالمتعالي في 323 صفحة من القطع الكبير، وحوى مباحث وفصولاً غاية في الجدارة بالتأمل، منها (تفكيك البنية البدويّة في الفكر العربي الحديث، والحداثة البدويّة بين الأكاديمية والشوفينية، ومن العصبية القبليّة إلى العصبيّة الرأسمالية)، ولم يخل الكتاب من الجمع بين المثل، والقصيدة، لتخفيف عبء التهمة ورفع الحرج عن بداوة لم تنج من مرآة الحداثة؛ لتفادي الصدامات الحادثة والمستحدثة بينها وبين الأجيال المفتونة بالوافد والديلفري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك