لم تعد تكلفة الرحلة أو حالة الطقس وحدهما العامل الحاسم في اختيار وجهة العطلة لدى الدنماركيين.
فمع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة، تشهد سوق السفر الدنماركية تحولا واضحا نحو الوجهات الأوروبية القريبة، بينما تتراجع جاذبية الرحلات البعيدة إلى آسيا وأميركا الشمالية.
وتشير بيانات شركات السياحة واستطلاعات الرأي إلى أن اعتبارات الأمن والاستقرار باتت تحتل موقعا متقدما في قرارات السفر خلال صيف العام الحالي.
وقال الدنماركي هانز كريستنسن لـ" العربي الجديد" أثناء تنزهه مع حفيده: " كنا نرغب في القيام برحلة بعيدة إلى شرق آسيا، لكن نتيجة الأوضاع والخشية من تداعيات الحرب وأزمة الوقود اخترنا قضاء الإجازة في جنوب إسبانيا".
ويعكس هذا التوجه تغيرا أوسع في سلوك المستهلكين، مع تزايد تأثير الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على قرارات السفر، بعدما كانت عوامل المناخ والأسعار والخدمات تحتل الصدارة في اختيار الوجهات السياحية.
وكشف استطلاع جديد أجرته شركة التأمين" غينسيدي" بالتعاون مع مؤسسة" يوغوف" أن نحو واحد من كل خمسة دنماركيين غيّر خططه الصيفية، سواء عبر إلغاء رحلة خارجية أو استبدالها برحلة برية داخل أوروبا.
وقالت مسؤولة الاتصالات في شركة" غينسيدي" ليزا مادسن لـ" العربي الجديد" إن الطلب على الوجهات البعيدة يشهد تراجعا ملحوظا، مشيرة إلى أن الرحلات الأوروبية تواصل استقطاب أعداد متزايدة من المسافرين.
روأضافت أن" قطاع السفر يسجل تراجعا واضحا في الطلب على الوجهات البعيدة، مع توقع استمرار نمو الرحلات الأوروبية على حساب السفر إلى خارج القارة حتى نهاية العام".
ويربط مدير قطاع السياحة في جمعية شركات السفر الدنماركية ياكوب هان هذا التحول بمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، في مقدمتها ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وإغلاق عدد من المسارات الجوية بسبب الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى التوترات المتصاعدة في الخليج والشرق الأوسط.
رونقلت صحيفة" بيرلنغسكا" الدنماركية عن هان قوله إن هذه التطورات دفعت كثيرا من المسافرين إلى تفضيل الوجهات الأقرب والأكثر استقرارا، بدلا من الرحلات الطويلة التي قد تتأثر بالتطورات الأمنية أو بارتفاع تكاليف التشغيل.
رويعكس ذلك ما يقوله كريستنسن، الذي فضل قضاء إجازته داخل أوروبا بدلا من التوجه إلى المغرب أو تونس، مبرراً قراره بالخوف من تعطل الرحلات أو صعوبة العودة في حال وقوع تطورات مفاجئة في المنطقة.
تبدو دول جنوب أوروبا المستفيد الأكبر من هذا التحول في أنماط السفر، إذ تسجل شركات السياحة نسب إشغال مرتفعة على الرحلات المتجهة إلى إسبانيا واليونان وإيطاليا، فيما ارتفع الطلب على عدد من الجزر اليونانية والوجهات المتوسطية الأخرى.
وتوضح مادسن أن نتائج استطلاع" غينسيدي" أظهرت أن 55% من المشاركين لا يخططون للسفر جوا خلال الصيف الحالي، مقابل 26% فقط ما زالوا يعتزمون قضاء عطلات خارجية بالطائرة.
وأضافت: " أظهر الاستطلاع أن نحو خمس الدنماركيين غيروا خططهم بسبب ارتفاع أسعار وقود الطائرات والاضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اختار بعضهم البقاء في الدنمارك أو القيام برحلات برية أو التوجه إلى وجهات أوروبية أقرب".
وترى أن البحث عن الاستقرار والأمان بات عاملاً رئيسياً في قرارات السفر، إلى جانب ارتفاع أسعار التذاكر وتكاليف النقل، إذ تمنح الوجهات القريبة مرونة أكبر وتحدّ مخاطر الاضطرابات المفاجئة.
وفي المقابل، تبرز الولايات المتحدة بين الوجهات التي شهدت تراجعا في الطلب من جانب المسافرين الدنماركيين هذا العام، رغم انخفاض أسعار التذاكر إلى مستويات تعتبرها شركات السفر جاذبة، إذ أصبح بالإمكان أحيانا السفر إلى نيويورك بأقل من 500 يورو.
ولا يرتبط هذا التراجع بالخلافات السياسية بين كوبنهاغن وواشنطن بشأن غرينلاند أو بعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فحسب، بل أيضاً بالمخاوف المتزايدة من التشدد في إجراءات الدخول بالمطارات الأميركية.
وأكدت ستينا أبيلغورد من شركة" سبييس رايسا" السياحية لـ" العربي الجديد" أن الإقبال على الوجهات الأميركية تراجع بشكل واضح خلال الأشهر الأخيرة.
وقالت إن" الاعتبارات السياسية وحالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الأميركية أصبحت جزءاً من حسابات المسافرين عند اختيار وجهاتهم".
كما تأثرت بعض الوجهات في الشرق الأوسط، ومنها دبي، بالمخاوف الأمنية والتحذيرات الرسمية المرتبطة بالسفر إلى مناطق النزاع، بينما انعكست الحرب في أوكرانيا على الرحلات المتجهة إلى آسيا بسبب استمرار إغلاق الأجواء الروسية والأوكرانية، الأمر الذي أدى إلى زيادة أوقات السفر وارتفاع تكاليف التشغيل على شركات الطيران.
وتؤكد كبرى شركات السياحة الدنماركية أن سلوك المستهلكين تغير بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة.
وقالت أبيلغورد إن الأزمات الدولية تدفع المسافرين عادة إلى تفضيل الوجهات القريبة والمألوفة، مشيرة إلى أن أوروبا تستحوذ حالياً على نحو 90% من الرحلات العارضة التي تنظمها الشركة.
وأضافت أن الشركة تتلقى عددا كبيرا من الاستفسارات من عملاء يشعرون بالقلق حيال تأثير ارتفاع أسعار الوقود أو احتمالات إلغاء الرحلات خلال موسم الصيف.
ومن جهتها، تظهر بيانات شركة" توي" في الدنمارك أن كثيرا من العملاء باتوا يؤجلون قرارات الحجز إلى مراحل متأخرة مقارنة بالسنوات السابقة، انتظارا لمزيد من الوضوح بشأن الأوضاع السياسية والأمنية.
وتبقى أسعار الطاقة عاملا رئيسيا في معادلة السفر خلال العام الحالي، في ظل المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز واحتمالات تأثر إمدادات النفط ووقود الطائرات نتيجة التوترات الجيوسياسية.
وقد انعكست هذه المخاوف على تكاليف شركات النقل الجوي وأسعار التذاكر، ما دفع العديد من المسافرين إلى إعادة النظر في وجهاتهم أو تقليص نفقات السفر.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولو القطاع السياحي أن الحديث عن نقص وشيك في الوقود أو تهديد مباشر للرحلات الصيفية لا يستند إلى معطيات واقعية في الوقت الراهن.
وقال ياكوب هان إن شركات الطيران لا تواجه حاليا أزمة وقود، مضيفا أن المخاوف المتداولة بشأن احتمال تعطل عودة المسافرين أو إلغاء الرحلات بسبب نقص الإمدادات لا تستند إلى مؤشرات فعلية حتى الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك