الهدير الذي هز أركان ملعب" أزتيكا"، يوم الخميس، في مباراة المكسيك وجنوب أفريقيا لم يكن احتفالاً كروياً عادياً، لقد كان تتويجاً لرحلة لا تصدق بالنسبة للمهاجم خوليان كينيونيس، بعدما تنفس شاب هرب قبل أكثر من عقد بقليل من عنف العصابات في كولومبيا مسقط رأسه، لينتهي به المطاف بكتابة تاريخ كرة القدم المكسيكية بأحرف من ذهب.
وُلد خوليان أندريس كينيونيس في 24 مارس 1997 في ماغوي بايان، وهي بلدية تقع على ساحل المحيط الهادئ في مقاطعة نارينيو بكولومبيا، وهذه المنطقة، المعروفة بشكل مأساوي في السياق الاجتماعي لبلده الأصلي باسم" مثلث تيليمبي"، كانت تاريخياً واحدة من أكثر المناطق تضرراً من مواجهات النزاع المسلح وتجارة المخدرات وضغط الجماعات المسلحة.
في سن السابعة عشرة ومحاطاً ببيئة عدائية حيث كان الرصاص ينهي مستقبل الشباب، وجد كينيونيس في كرة القدم طوق النجاة الوحيد له.
اضطر المهاجم إلى مغادرة أرضه تاركاً وراءه ويلات الحرب، باحثاً عن فرصة لتجعل موهبة قدميه تتحدث بصوت أعلى من ضجيج البنادق.
كان ملجأه الأولي هو نادي" فوتبول باز" للهواة، في مدينة كالي، حيث وصل لإجراء الاختبارات في عام 2013.
وتذكر سيزار فالنسيا، مدير المنظمة الكولومبية، ل ESPN التأثير الفوري للمهاجم:" جاء لإجراء الاختبار في نادينا ومنذ اليوم الأول أسرنا بشدة؛ حتى أنه في يوم الاختبار سجل أربعة أهداف.
ترك لدينا انطباعاً كبيراً ولهذا السبب بقي معنا".
بحلول عام 2015، كان كينيونيس يمزق الشباك بالفعل مع منتخب كولومبيا تحت 20 عاماً، خلال بطولة وطنية للشباب، ليخطف أنظار كشافي المواهب الدوليين.
ورأى كشافو نادي تيغريس أونال المكسيكي في ذلك المهاجم الطويل والقوي ماسة خام، وتفاوضوا على انتقاله فوراً مع نادي كالي.
وغير وصوله إلى المكسيك مصيره إلى الأبد، بعد ظهوره الرسمي لأول مرة في الكرة المكسيكية عام 2016، إذ صقل موهبته وتحول إلى بطل ثنائية أطلس غوادالاخارا التاريخية، وبعدها أكد مكانته كنجم مع قميص نادي أمريكا.
وانتقل بعدها إلى القادسية السعودي ليثبت مجدداً جودته كمهاجم عالمي بـ 33 هدفاً، نال على إثرها جائزة هداف الدوري السعودي في الموسم المنصرم.
رغم أن مسؤولي الاتحاد الكولومبي لكرة القدم حاولوا استدعاءه لارتداء قميص منتخب" لوس كافيتيروس"، إلا أن قلب خوليان كان ينتمي بالفعل للبلد الذي منحه حياة ثانية.
لم يكن يرى نفسه إلا بالأخضر والأبيض والأحمر، وحصل على الجنسية المكسيكية عن قناعة، وظهر لأول مرة مع" التري" في نوفمبر 2023.
وعبر عن ذلك: " المكسيك أعطتني كل شيء، عائلتي، مسيرتي، راحة بالي"، وردت الجماهير المكسيكية هذا الحب بتبنيه منذ اللحظة الأولى كابن شرعي.
المباراة الافتتاحية لكأس العالم 2026 أمام جنوب أفريقيا كانت تحمل ضغطاً خانقاً على أكتاف المكسيكيين بقيادة خافيير أغيري.
كانت المكسيك تجرّ وراءها عبئاً تاريخياً ثقيلاً يتمثل في غياب الفعالية الهجومية في بدايات البطولات الكبرى، وكان التنظيم التكتيكي الصارم للجنوب أفريقيين يهدد بإفساد العرس العالمي بالنسبة لأصحاب الأرض.
لكن الإصرار، والقوة البدنية، والترابط الذي نشأ داخل الملعب عبر الأطراف، سمح لخوليان كينيونيس بكسر القفل الأفريقي.
وعلقت صحيفة" ماركا" بنسختها المكسيكية: هدفه لم يعنِ فقط النقاط الثلاث الأولى للمنتخب المكسيكي في البطولة العالمية، بل كان أيضاً تنفيساً تاريخياً لأمة متعطشة لانتصارات حاسمة على أرضها.
ومع إطلاق صافرة النهاية، تجاوزت قصة المباراة حدود الملعب.
خوليان كينيونيس، المهاجم الذي راوغ عنف الريف وهرب من العصابات، ينام اليوم مُتوّجاً كبطل للبلد الذي فتح له الأبواب عندما كان في أمسّ الحاجة إليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك