في الوقت الحالي، لا يزال 69 ألف طالب في أول جامعة ليبية من حيث الحجم وتاريخ التأسيس (في العام 1955)، ينتشرون في مبانٍ قديمة متهالكة، على مقربة من الحرم الجامعي الجديد الذي سيتم افتتاحه مع بداية العام الدراسي.
في المقهى كما على المقاعد المحمية من أشعة الشمس، يضج المكان بحياة طالبية، في صورة تحمل مفارقات كبيرة.
كانت الجامعة مسرحا لمعارك دامية شهدتها بين عامي 2014 و2016 حين" قامت الجماعات الارهابية للأسف بعمل إجرامي.
وضعت أنابيب الغاز وتم تدميرها"، على ما يروي رئيس الجامعة عز الدين يونس الدرسي خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في المبنى الإداري المحدث كليا.
ويقول إن المجمع حينها" تعرّض للدمار بشكل كامل" وإن" الجماعات الإرهابية سرقت مخطوطات اسلامية نفيسة عمرها 700 عام، بعضها لا توجد له نسخ"، قبل أن تُسترجع.
كانت ليبيا قد غرقت في الفوضى وعدم الاستقرار بعد سقوط نظام معمّر القذافي ومقتله في العام 2011، وسيطرت جماعات متشددة مسلحة على مناطق واسعة.
على مدى عامين، اتخذت الإدارة" قرارا جريئا جدا"، وفق الدرسي، بمواصلة الدروس باستخدام 45 مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية، مفتوحة صباحا لفصول التلاميذ، وبعد الظهر للطلاب.
كان الإغلاق غير وارد" لأن الجامعة هي الحياة" بالنسبة لبنغازي ومليون نسمة من سكانها، إذ" في كل بيت يوجد طالب أو موظف أو عضو هيئة تدريس في الجامعة"، بحسب الدرسي.
منذ أن انتصرت قبل عشر سنوات قوات المشير حفتر الذي يسيطر اليوم على شرق البلاد وجنوبها ضمن سلطة تنفيذية موازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب)، عاد الطلاب إلى الحرم الجامعي في مبان مؤقتة.
بالنسبة لمريم الرفادي، البالغة من العمر 26 عاما، والمتخرجة من الجامعة في العام الفائت، " ما عِشناه لم يكن سهلا".
وتضيف" لم نكن نعرف كيف سنتجاوز تلك المرحلة".
أمّا اليوم، فيتوافر" الأمان" و" إمكان فعل كل شيء: السفر، إنشاء مشروع أو شركة"، على ما تُلاحظ بحماسة هذه الأستاذة المتخصصة في اللغة الفرنسية والتي تُقدّم دروسها من خلال تطبيقات كتلغرام أو غوغل ميت.
تشيد مريم بثقافة" الصمود" في بنغازي، المدينة" التي لا تزال متألقة وحية بعد كل ما مرّت به"، معتبرة أن من حقها الإكتئاب أمام" تضحيات الشباب والآباء حتى نكون نحن اليوم في الجامعة".
أما طالبة الإنكليزية عائشة المقصبي (19 عاما) فتتذكر" في وقت من الأوقات لم يكن لدينا شيء.
كانت ليبيا في الحضيض، ونظامها التعليمي سيئا.
لقد عانينا كثيرا".
لكنّ الطلاب اليوم باتوا يستطيعون أن يأملوا بتحقيق طموحاتهم.
وتقول الشابة الشغوفة بعلم النفس التي ترى نفسها" مدربة أساليب الحياة" مستقبلا" نحن نعرف أننا نستطيع أن نعطي للحياة أكثر" من مجرد" الحلم بوجود كهرباء، أو شرب الماء أو الأكل".
تتولى إعادة إعمار الجامعة، التي بدأت قبل ثلاث سنوات، إدارة صندوقٍ التنمية وإعادة الإعمار، الذي يترأسه بلقاسم حفتر، أحد أبناء خليفة حفتر، المنتشرة صوره العملاقة.
حصل الصندوق، الذي يتخذ من بنغازي مقرا له، على 20 مليار دينار (2,7 مليار يورو) — بما يعادل ما مُنِح لحكومة طرابلس — ضمن أول موازنة موحدة للبلاد منذ عقد من الزمن، والممولة إلى حد كبير من عائدات النفط.
ويضم المجمع الطلابي الجديد، الممتد على مساحة 600 هكتار، المبنى الرئيسي الذي تعلوه قبة ذهبية، إضافة إلى سكن جامعي" يضاهي فندقا ذا خمس نجوم" بحسب الإدريسي، ومكتبة ضخمة جديدة تحل محل تلك التي دُمّرت قبل 10 أعوام، فضلا عن قاعة مؤتمرات عصرية.
ويرى عبد الحميد الغويل (28 عاما)، وهو أستاذ لغة فرنسية آخر تخرّج في الجامعة سنة 2024، أن" الأجواء تغيّرت في الحرم الجامعي" فالمنتدبون الجدد يعلمون أنهم" سيُدرسون في ظروف أفضل وفي مبان مجهزة تجهيزا جيدا".
بالنسبة لصديقه أيمن القرقوري، (29 عاما)، والمتخرج منذ عام 2023 وصاحب شركة توظيف، فإن" مستقبل الشباب واعد أكثر من أي وقت مضى" في بنغازي، ومشاريع البناء الكثيرة تصب في مصلحة" كل الذين يتخرجون" من جامعة مرموقة في الهندسة أو الهندسة المعمارية أو التصميم.
وإذا كان العميد الدرسي يواصل إطلاق مشاريع تعاون على الصعيد الدولي، من بينها واحد أُبرم في الآونة الأخيرة مع جامعة في ميلانو، فإنه يرى أن من الأساسي أن تبقى الجامعة متاحة ومجانية للطلاب من كل أنحاء البلاد.
ويعتبر أن" أثَر استعادتها مكانتها الطبيعية سيكون إيجابيا" على كل الصعد، بما في ذلك على مسار" المصالحة الوطنية".
وقد تحدّثت وسائل إعلام غربية عن تقارب وشيك بين شرق ليبيا وغربها وعن إعادة تشكيل موازين القوى تحت ضغط الولايات المتحدة.
يخلص عبد الحميد" أشعر أننا جميعا موحدون.
ثمة طلاب من طرابلس يدرسون هنا، وعندما نذهب إلى الغرب نشعر أننا في ليبيا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك