نبّهت مجموعة من علماء المناخ البارزين إلى اشتداد الاحترار العالمي وتسارع ارتفاع منسوب البحار، معربةً في الوقت نفسه عن خشيتها من احتمال توقّف أنظمة عدّة لمراقبة المناخ، بفعل توجّهات في الموازنات وخيارات" جيوسياسية".
أتى ذلك بعد أيام من اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يعزّز التزامات الدول بمكافحة تغيّر المناخ أخيراً، وهو نصّ يعدّه دعاة حماية البيئة أمراً بالغ الأهمية على الرغم من التنازلات التي حصلت عليها الدول الكبرى المسبّبة لانبعاثات غازات الدفيئة.
وكانت الجمعية العامة قد طلبت في وقت سابق من محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً بشأن مسؤولية الدول إزاء الوفاء بالتزاماتها المناخية.
وفي النسخة الرابعة من تقرير مرجعي يُنشَر سنوياً، صدر أمس، تولّى أكثر من 70 عالماً من 17 بلداً، من بينهم عدد من معدّي تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ، تحديث 12 مؤشّراً رئيسياً خاصاً بالاحترار العالمي أو الاحتباس الحراري.
وأوضح أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة" ماينوث" الأيرلندية، عضو الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ، بيتر ثورن أنّ" هذه المؤشّرات تمثّل متابعة بالغة الأهمية للعلامات الحيوية لمريض يظهر لديه مزيد من الأعراض المقلقة".
من جهتها، قالت العالمة الفرنسية المتخصّصة في علم المناخ القديم، الرئيسة السابقة لأحد فرق العمل في الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ، فاليري ماسون-دولوتّ إنّ عمليات رصد هذه المؤشّرات صارت اليوم" في خطر" وذلك" بسبب خيارات جيوسياسية" أو" مرتبطة بالتمويل العام".
وفي عام 2025، بلغ احترار كوكب الأرض 1,39 درجة مئوية مقارنة بالفترة ما قبل الصناعية (1850-1900)، من بينها 1,37 درجة مئوية متأتية من النشاط البشري، بحسب تقديرات الباحثين.
ويلاحظ التقرير المنشور في مجلة" إيرث سيستم ساينس داتا" أنّ" معدّل الاحترار الناجم عن النشاط البشري ما زال في أعلى مستوياته حتى الآن"، إذ تبلغ وتيرته 0,27 درجة مئوية لكلّ عقد.
إلى جانب ذلك، تضاعف في العقود الأخيرة" اختلال توازن الطاقة الأرضية"، أي الفارق ما بين الطاقة الشمسية الداخلة وتلك المعاد إشعاعها نحو الفضاء.
وشرح أستاذ علم مناخ الفيزياء في جامعة" ليدز" البريطانية، منسّق التقرير المنشور في مجلة" إيرث سيستم ساينس داتا"، بيرس فورستر أنّه" من المفترض أن يقترب هذا التوازن من الصفر من دون التأثير البشري، لكنّه آخذ في الارتفاع منذ سبعينيات القرن العشرين، وقد بلغ اليوم مستوى قياسياً".
ويعود الاحترار السريع إلى اجتماع عاملَين رئيسيَّين، أحدهما انبعاثات الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري الناتجة في معظمها من حرق الفحم والنفط والغاز، والتي بلغت مستويات قياسية، والثاني تراجع التلوّث بالجسيمات الدقيقة (الهباءات الجوية)، الأمر الذي يقلّل من تأثير التبريد الناتج عن انعكاس الإشعاع الشمسي بواسطة هذه الجزيئات.
وإذ يوضح التقرير المرجعي الأخير أنّ" عدداً من العناصر يشير إلى أنّ نموّ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يتباطأ"، يشدّد على أنّ ذلك لن يكون كافياً لحصر الاحترار العالمي بـ1,5 درجة مئوية، وفقاً لما نصّت عليه اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015.
وتوقّع الخبراء أن يُصار إلى بلوغ هذه العتبة نحو عام 2030، ما لم تُخفَّض وتيرة الانبعاثات.
في هذا الإطار، قال عالم المناخ في مصلحة الأرصاد الجوية الفرنسية" ميتيو-فرانس" (رسمية) أوريليان ريب: " نظراً إلى أنّ انبعاثات الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري ما زالت تشهد ازدياداً، يبدو أنّ إبقاء الاحترار المناخي دون هذه العتبة صار أمراً مستحيلاً".
ويبيّن التقرير المرجعي السنوي المشار إليه أنّ مستوى سطح البحار ارتفع 23 سنتيمتراً بين عامَي 1901 و2025، وفقاً لأحدث القياسات، فيما تضاعفت الوتيرة لتبلغ في الوقت الراهن 3,84 مليمترات في السنة.
كذلك ازداد عدد أيام موجات الحرّ البحرية السنوية أكثر من ثلاث مرّات منذ عام 1991، ووصل إلى 65 يوماً في عام 2025.
ويوفّر التقرير أحدث البيانات للمجتمع الدولي، باستخدام منهجيات الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغير المناخ، من دون انتظار تقاريرها المقبلة المتوقَّع صدورها ابتداءً من عام 2028.
وهو يستند إلى نحو أربعين مجموعة بيانات مصدرها الأقمار الاصطناعية، وإلى مروحة واسعة من الأدوات الأرضية والبحرية والجوية، من بينها محطات الأرصاد الجوية والسفن والعوّامات وبالونات الرصد.
لكنّ برامج عدّة للأقمار الاصطناعية ورصد الأرض باتت مهدَّدة اليوم، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية بسبب تخفيض الاعتمادات المخصّصة لها في الموازنات.
يأتي ذلك مذ عمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سياسات جديدة في هذا الشأن، فور وصوله إلى البيت الأبيض في ولاية جديدة في يناير/كانون الثاني 2025، على خلفيّة تشكيكه بتغيّر المناخ.
في هذا الإطار، ، قالت سامانتا بورجس من المركز الأوروبي للتوقّعات الجوية متوسطة المدى إنّ" مراقبة المحيطات (.
) مموّلة إلى حدّ كبير من بلد واحد فحسب، وهذا البلد أعلن في الآونة الأخيرة نيّته التوقّف عن تمويلها".
وشدّدت على أنّ هذه المراقبة" أساسية جداً" لفهم كيفية امتصاص المحيطات الحرارة وكيفية تأثير ذلك في الأنماط المناخية والدورة المحيطية.
لكنّها شدّدت على أنّ" المسألة للأسف لا تتعلّق ببلد واحد فحسب".
ويذكّر التقرير المرجعي الأخير بأنّ تمويل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تراجع، وبأنّ تمويل البرنامج العالمي لبحوث المناخ خُفِّض إلى النصف، مشيراً إلى أنّ نظام مراقبة المناخ العالمي" في خطر كذلك".
(فرانس برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك