في عصر تتسارع فيه الابتكارات التقنية وتطغى الآلة على أدق تفاصيل الحياة اليومية، يبرز تساؤل جوهري بحضور الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز أمير منطقة عسير، سلَّط الدكتور حمزة يوسف هانسن الضوء على الفروق الدقيقة بين المفهوم الإسلامي للتقنية كأداة لخدمة الإنسان، وبين الواقع المعاصر الذي بات يعامل البشر كآلات، محذراً من تراجع المعرفة الروحية لحساب العلم المادي.
جذور" التقنية" ومفهوم" الإتقان"واستهل د.
حمزة يوسف حديثه بتأصيل مفهوم التكنولوجيا، موضحاً أنها مشتقة من الكلمة اليونانية" تكني" التي تعني الفن أو الحرفة أو المهارة، لافتاً إلى ارتباطها العميق بالجذر العربي" تقن" ومفهوم" الإتقان" الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}.
وأشار إلى أن الفلاسفة اليونانيين، كأرسطو، صنفوا" التقنية" في أدنى مراتب الفضائل العقلية الخمس، بينما تربعت" الحكمة" على قمتها.
وبينما فرق اليونانيون بين الحكمة العملية والنظرية، فهم العرب الحكمة على أنها تتضمن عنصراً عملياً، مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة".
المسلمون الأوائل.
التكنولوجيا في خدمة “الحكمة”واستعرض التقرير كيف تعامل المسلمون الأوائل مع التقنية؛ فقبل بزوغ فجر العصر التكنولوجي الحديث، كان السعي وراء" الحكمة" هو المحرك الأساسي، وهي أسمى من مجرد البحث عن أدوات لتسهيل الحياة.
ورغم أنهم قادوا العالم في مجالات العلوم والهندسة والطب، محققين إنجازات تكنولوجية وروائع معمارية لا تزال تبعث الدهشة في نفوس زوار غرناطة وإسطنبول والقاهرة وسمرقند وأغرا، إلا أن جل جهودهم انصبت على قضايا عملية تخدم المجتمع.
فقد وظفوا الرياضيات والهندسة في حساب المواريث، وتحديد القبلة، وتحسين المعدات العسكرية للدفاع عن الأوطان، وتخطيط المدن، وإدارة المياه.
أزمة المعرفة في آخر الزمانوانتقل د.
يوسف إلى تشخيص أزمة المعرفة في العصر الحالي، مستشهداً بالحديث النبوي الشريف: “لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم”، ليفسر التناقض الظاهري بين نقص العلم وفشو القلم في آخر الزمان.
وأوضح أن الإسلام يفرق بوضوح بين" العلم الدنيوي" و" العلم الأخروي"، مشيراً إلى أن النقص المذكور يشير إلى العلم بما يعين على الحياة الفاضلة والنجاة في الآخرة، بينما تتسارع وتيرة العلوم المادية، مستدلاً بحديث: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”.
الإنسان والآلة.
تحذير من فقدان البوصلةوفي نقد عميق للحضارة التكنولوجية المعاصرة، حذر د.
حمزة يوسف من تحول البشر إلى مجرد" آلات" لسبب بسيط وهو أن الآلات تعتبر ذات أهمية اقتصادية توازي أهمية البشر.
وضرب مثالاً معبراً بغياب مشهد السماء المرصعة بالنجوم عن أعين الكثير من شباب اليوم، وهو المشهد الذي طالما ألهم البشر للتأمل في عظمة الخالق وجلب النظام السماوي إلى الحياة الأرضية، كما أشار أفلاطون.
واختتم حديثه بالتأكيد على أنه مع دخولنا هذا العصر الجديد من التحول، تبرز تساؤلات كثيرة، ولكن في أغلب الأحيان لا يتاح الوقت لطرحها، فضلاً عن الإجابة عليها.
وتأتي هذه الندوة الرمضانية (أحد لقاءات تركي بن طلال بن عبالعزيز الثقافي) كدعوة للتأمل والتدبر، داعياً إلى استعادة التوازن المفقود بين التقدم المادي والارتقاء الروحي، مؤكداً أن التقنية يجب أن تظل أداة لخدمة الإنسان، لا غاية تستعبد روحه وتطمس إنسانيته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك