تشكل الجغرافيا في كثير من الأحيان الإطار الصامت الذي تتحرك داخله الأزمات والصراعات، إذ لا تنشأ التحولات السياسية الكبرى من تفاعلات الداخل وحدها، بقدر ما تتأثر أيضاً بالحقائق المادية الثابتة التي تفرضها الخرائط.
وفي هذا السياق، يحتل السودان موقعاً استثنائياً في معادلات القرن الأفريقي وشرق القارة، فهو ليس مجرد دولة تواجه تحديات داخلية متراكمة، بل دولة ساحلية تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت يحيط بها أو يرتبط بها عدد من الدول الحبيسة التي تفتقر إلى منفذ مباشر على البحر الأحمر.
وتكسب هذه الحقيقة الجغرافية السودان أهمية تتجاوز وزنه الوطني، إذ يصبح ساحله وموانئه جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للدول المجاورة الساعية إلى كسر قيود الجغرافيا البرية.
وتبرز إثيوبيا في مقدم هذه الدول باعتبارها الحالة الأكثر تأثيراً وطموحاً، فبعد فقدانها منفذها البحري منذ استقلال إريتريا، تحولت مسألة الوصول المستدام إلى البحر إلى هاجس استراتيجي حاضر في رؤيتها للأمن القومي والتنمية الاقتصادية ودورها الإقليمي، وإلى جانب إثيوبيا، تقع تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى ضمن الفضاء الجغرافي ذاته الذي يجعل من الساحل السوداني منفذاً محتملاً لمصالح تتجاوز الحدود الوطنية.
ولا تمثل هذه الديناميكية خصوصية سودانية خالصة، فجيبوتي بنت جزءاً كبيراً من أهميتها الاقتصادية على دورها بوابة بحرية للتجارة الإثيوبية، واضطلعت تنزانيا بوظيفة مماثلة تجاه عدد من الدول الحبيسة في شرق ووسط أأفريقيا، ومن ثم، فإن فهم السودان يقتضي النظر إليه باعتباره نقطة التقاء بين قوة البحر وحاجات البر، حيث تتشابك أزماته الداخلية مع ضغوط جيوسياسية أعمق تفرضها الجغرافيا وتعيد تشكيلها موازين القوى الإقليمية.
منذ تشكلت طرق التجارة الأولى بين وادي النيل وداخل أفريقيا، لم يكن السودان مجرد مساحة تقع بين أقاليم متجاورة، بل كان معبراً جغرافياً واسعاً يربط البحر بالداخل، والشمال بالجنوب، والعالم العربي بعمقه الأفريقي.
وقد منحت هذه المكانة السودان وزناً استراتيجياً استثنائياً عبر القرون، لكنها فرضت عليه في الوقت ذاته أعباء لم تفارقه في أي مرحلة من تاريخه، فالدول التي تحتل مواقع العبور الكبرى نادراً ما تنعم بهدوء الجغرافيا، إذ تتحول أراضيها إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح المتنافسة وتتزاحم عليها الضغوط الخارجية.
وقد انعكس هذا الموقع على تاريخ السودان السياسي منذ العصور القديمة، فالممالك التي قامت على امتداد وادي النيل، من كوش إلى الممالك النوبية المسيحية ثم سلطنة الفونج، استمدت جانباً مهماً من قوتها من قدرتها على التحكم في طرق التجارة التي ربطت حوض النيل بموانىء البحر الأحمر وأسواق الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.
وفي القرن الـ19 ازدادت أهمية السودان مع التوسع المصري جنوباً، حيث أصبحت السيطرة على مجرى النيل والمنافذ البحرية جزءاً من صراع النفوذ في شمال شرقي أفريقيا.
ثم جاء الحكم الثنائي البريطاني - المصري ليكرس هذه الحقيقة الجغرافية عبر تطوير ميناء بورتسودان وشبكات النقل التي ربطت الساحل بالداخل، ليس لخدمة السودان وحده، بل لدمجه في منظومة اقتصادية وإدارية أوسع تمتد عبر القارة.
وعقب الاستقلال، ورثت الدولة السودانية هذه الجغرافيا الثقيلة بكل ما تحمله من فرص وضغوط، فالتحدي لم يكن بناء سلطة مركزية قادرة على إدارة التعدد الداخلي فحسب، بل إدارة موقع استراتيجي تتقاطع عنده مصالح دول الجوار وممرات التجارة الإقليمية.
وتنبع خصوصية الحالة السودانية من اجتماع عاملين قلما اجتمعا بهذا القدر من الحدة، ساحل طويل على البحر الأحمر، يقابله عمق أفريقي واسع يضم عدداً من الدول الحبيسة التي تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على المنافذ البحرية للوصول إلى الأسواق العالمية.
وبهذا المعنى، لا يشكل البحر الأحمر بالنسبة للسودان حدوداً شرقية فحسب، بل يمثل المورد الجيوسياسي الأهم في معادلة الدولة السودانية بأكملها.
إذا كانت الدول الحبيسة المجاورة للسودان تنظر إلى البحر باعتباره ضرورة اقتصادية، فإن إثيوبيا تنظر إليه باعتباره مسألة قوة ومكانة وتوازن استراتيجي طويل الأمد، ولهذا لا تمثل أديس أبابا مجرد دولة حبيسة أخرى في جوار السودان، بل تمثل أكبر قوة برية في القرن الأفريقي، كتلة سكانية واقتصادية وعسكرية هائلة تتمركز في قلب الهضبة الإثيوبية، وتتمتع بعمق جغرافي يسمح لها بالتأثير في مجمل التفاعلات السياسية والأمنية المحيطة بها.
ولا تكمن أهمية إثيوبيا في حاجتها إلى الموانئ السودانية تحديداً، بل في قدرتها على البحث المستمر عن منافذ بديلة على امتداد المجال البحري للقرن الأفريقي.
فمنذ فقدانها سواحلها عقب استقلال إريتريا، لم تتوقف عن السعي لتخفيف القيود التي يفرضها عليها وضعها كدولة حبيسة، سواء عبر جيبوتي أو من خلال الترتيبات التي سعت إليها مع أرض الصومال أو عبر خيارات أخرى مطروحة في الإقليم، غير أن تعدد البدائل لا يلغي حقيقة أساسية، فكل منفذ بحري محتمل لإثيوبيا يعيد رسم موازين القوة في جوارها المباشر، ويمنحها قدرة أكبر على ترجمة ثقلها البري إلى نفوذ اقتصادي وسياسي وعسكري.
من هذه الزاوية، لا يواجه السودان تهديداً نابعاً من احتمال اعتماد إثيوبيا عليه، بل من حقيقة وجود قوة برية صاعدة قادرة على التأثير في المجال الاستراتيجي المحيط به حتى من دون السيطرة على موانئه.
فإثيوبيا، بحكم حجمها وموقعها، تمتلك القدرة على التأثير في شبكات التجارة الإقليمية، ومسارات النقل، والتوازنات الحدودية، وقضايا المياه والأمن في شرق أفريقيا، وكلما ازداد وزنها الاقتصادي والديموغرافي، ازداد تأثير قراراتها في مستقبل الدول الساحلية المجاورة.
لذلك فإن التحدي الجيوسياسي الذي يواجه السودان لا يتمثل في حماية ساحله فحسب، بل في كيفية إدارة علاقته بقوة برية كبرى ترى في البحر حقلاً حيوياً لمستقبلها الاستراتيجي، وتتحكم في الوقت ذاته في المنابع التي يأتي منها الجزء الأكبر من مياه النيل.
وبين معادلة البحر ومعادلة النهر، يجد السودان نفسه في مواجهة واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيداً في أفريقيا، بيئة تتقاطع فيها اعتبارات الموانئ والممرات التجارية مع اعتبارات المياه والموارد العابرة للحدود، بما يجعل استقراره وأمنه مرتبطين على الدوام بحسن إدارة التوازن الدقيق مع جاره الشرقي الأكبر.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)تكمن إحدى الإشكاليات العميقة في الحالة السودانية في أن الأزمات التي تواجهها الدولة لا تتحرك في فراغ سياسي أو اجتماعي معزول، بل تتشكل وتتفاقم داخل بيئة جغرافية تفرض قيودها الخاصة على عملية بناء الدولة وإدارة الصراع.
تعاقبت على السودان أزمات متعددة الأوجه، شملت النزاعات المسلحة في الأطراف، والتنافس على السلطة في المركز، والاختلالات التنموية بين الأقاليم، والتوترات المرتبطة بالهوية والانتماء السياسي.
غير أن ما يلفت الانتباه ليس تعدد هذه الأزمات في حد ذاته، بل الصعوبة المزمنة في الوصول إلى تسويات نهائية ومستقرة لها.
ويعود جانب من هذا التعقيد إلى أن السودان يشغل موقعاً يتجاوز في أهميته حدود الدولة الوطنية.
فالأزمات السودانية كثيراً ما تتقاطع مع مصالح إقليمية تتصل بالمياه والحدود والتجارة والموانئ وحركة السكان، الأمر الذي يجعل الصراع الداخلي عرضة بصورة مستمرة للتأثر بعوامل خارجية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي مثل هذه البيئات، يصبح تحقيق الاستقرار أكثر تعقيداً، لأن التسوية لا تقتصر على معالجة التناقضات الداخلية، بل تتطلب أيضاً إدارة شبكة واسعة من المصالح الإقليمية المرتبطة بالسودان وموقعه.
وقد كشفت الحرب التي اندلعت في عام 2023 عن هذا الواقع بوضوح بالغ.
فالحرب لم تؤدِ فقط إلى انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة وتعطيل النشاط الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية، بل أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل السلطة ووحدة الدولة وقدرتها على السيطرة على فضائها الجغرافي.
كما أبرزت مدى ارتباط الاستقرار السوداني بمحيطه الإقليمي، في ظل تأثير الحرب على طرق التجارة وحركة السكان والأمن الحدودي والتوازنات المحيطة بالبحر الأحمر وحوض النيل.
ومن ثم، فإن تعثر الحلول في السودان لا يمكن تفسيره بعوامل داخلية فقط، كما لا يمكن إرجاعه بالكامل إلى التدخلات الخارجية.
فالأقرب إلى الواقع أن السودان يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها تحديات بناء الدولة مع ضغوط الجغرافيا السياسية.
ولهذا تبدو التسويات الموقتة ممكنة، بينما تظل التسويات الشاملة أكثر صعوبة، لأن جذور الأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من موازين القوى المحلية، لتلامس موقع السودان نفسه في قلب فضاء إقليمي شديد الحساسية والتنافس.
لا تبدو العلاقة المستقبلية بين السودان والدول الحبيسة المحيطة به مجرد مسألة تعاون اقتصادي أو تنافس على الموانئ، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في شرق ووسط أفريقيا.
فالحرب لم تؤدِ فقط إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل أجزاء مهمة من الاقتصاد، بل لفتت إلى مستقبل السيطرة على الموانئ وطرق العبور والبنية التحتية التي تربط البحر الأحمر بداخل القارة.
يقوم السيناريو الأول على نجاح السودان، خلال الأعوام المقبلة، في استعادة سلطة مركزية مستقرة وقادرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي هذه الحال، قد تخلق مرحلة إعادة الإعمار فرصة نادرة لتحويل السودان إلى مركز إقليمي للنقل والعبور، مستفيداً من حاجات تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن الاهتمام الإثيوبي المستمر بتنويع منافذه التجارية.
وسيؤدي ذلك إلى تعزيز مكانة السودان بوصفه جسراً بين البحر الأحمر والعمق الأفريقي.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط، فيفترض انتهاء الحرب من دون حسم سياسي كامل، مع بقاء مناطق النفوذ المتعددة وضعف مؤسسات الدولة.
وفي هذا الوضع، ستتعامل الدول الحبيسة مع السودان بوصفه ممراً مهماً لكنه غير مضمون، مما سيدفعها إلى تسريع البحث عن بدائل أخرى.
وستواصل إثيوبيا توسيع خياراتها البحرية، في وقت ستسعى دول أخرى إلى تقليل اعتمادها على الموانئ السودانية كلما أمكن ذلك، والنتيجة ستكون تآكلاً تدريجاً في الميزة النسبية التي منحها الموقع الجغرافي للسودان تاريخياً.
أما السيناريو الثالث فيقوم على استمرار الحرب أو تحولها إلى حال مزمنة من التفكك وعدم الاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة الأشد خطورة، فكلما ضعفت الدولة السودانية ازدادت أهمية موقعها بالنسبة لجيرانها، إذ لن تختفي الحاجة الإقليمية إلى الموانئ والممرات السودانية، بل ستدفع القوى المحيطة إلى البحث عن صيغ متزايدة للتأثير في البيئة السودانية حماية لمصالحها الاقتصادية والأمنية.
ومن ثم، فإن السؤال الجوهري خلال العقد المقبل لن يكون من يسيطر على الموانئ السودانية فحسب، بل ما إذا كانت الدولة السودانية نفسها ستنجح في استعادة القدرة على إدارة موقعها الاستراتيجي، فالحرب الحالية لا تهدد وحدة الدولة وأمنها الداخلي فقط، بل تهدد أيضاً المكانة الجيوسياسية التي احتفظ بها السودان طوال قرون باعتباره البوابة الطبيعية بين البحر الأحمر وداخل أفريقيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك