تغيرات في تاريخ أمم العالم الان لا تُعلن بمذكرة دبلوماسية ولا بخطاب رسمي مُعلَّب، بل تُعلن حين تُطلق صافرة الإنذار في جوف الليل، وحين تنهض منظومات الدفاع الجوي لتقول بلغة الصاروخ المُعترَض: لقد انتهى زمن الصبر المفتوح، وبدأ زمن الإرادة.
البحرين لم تنم.
وهي لم تنم يوماً.
إيران تواصل نهجها العدائي الممنهج عبر اعتداءاتها الآثمة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهي ضربات لا تستهدف قاعدة عسكرية أو منشأة استراتيجية بعيدة عن الناس، بل تستهدف المنازل والأسواق، وتستهدف حق الطفل في أن ينام آمناً، وحق الأم في ألا تسمع صافرة الإنذار فجراً.
لكن ما تجهله طهران — وهي تُطلق صواريخها في الظلام — أن كل صاروخ تُطلقه لا يُخيف البحرين، بل يُوقظها على مزيد من الإصرار، ويُرسّخ في وجدان الشارع البحريني يقيناً راسخاً: أن ما يُهاجَم لا بد أن يستحق الحماية، وأن الوطن الذي يُستهدف يستحق أن نقف أمامه صفاً واحداً.
ومنظومات الدفاع الجوي البحرينية تمكنت من اعتراض وتدمير الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وفي هذا الاعتراض رسالة أعمق من الأثر العسكري؛ رسالة مفادها أن البحرين دولة واعية بذاتها، تملك العقل الذي يرصد والقرار الذي يتحرك والجندي الذي لا يتردد.
لكن الحرب الحقيقية التي تخوضها البحرين ليست في السماء وحدها.
ثمة ميدان آخر أشد خطورة وأعمق أثراً، هو ميدان العقول والهويات والانتماءات.
الأخطر من الصاروخ الذي يُعترَض هو الفكرة المسمومة التي تتسلل في الهدوء، تلك التي تحاول أن تُقنع شاباً بأن هويته ليست عربية، وأن ولاءه لا يستحق أن يكون للوطن.
هنا تحديداً تكمن عبقرية القرار البحريني في هذه المرحلة، فالبحرين قررت بوعي استراتيجي نادر أن تخوض الحربين معاً وفي آنٍ واحد: حرب الصواريخ في السماء، وحرب الهوية في العقول.
وهي في كلتيهما تتقدم لا تتراجع.
إن التحام الشعب البحريني اليوم ليس وليد الصدمة أو ردة الفعل العاطفي العابر، بل هو نتاج سنوات من البناء الهادئ والعميق، بناء لم يُعلَن في المنابر دائماً لكنه عاش في تفاصيل الحياة اليومية؛ في الفصل الذي يضم أبناء كل طيف، وفي الحي الذي يتشارك فيه الجار مع جاره دون أن يسأل عن مذهبه، وفي الموقف الوطني الذي يجمع الجميع حين تُستهدف الأرض.
والحدود المرسومة في الوجدان أخطر من الحدود الجغرافية، وطهران تعرف هذا جيداً، ولهذا لم تكتفِ بالصواريخ، بل أرسلت قبلها وبعدها وكلاءها لرسم خرائط وهمية في أذهان الشباب؛ خرائط تمحو فيها البحرين العربية وتُحل محلها هويات مستوردة لا جذور لها في هذه الأرض.
لكن البحرين ردت بأقوى ما يكون الرد: بالوضوح.
وضوح القرار السيادي الذي يقول بلا مواربة إن الهوية العربية البحرينية ليست محل نقاش ولا مساومة، وإن من يحمل في قلبه ولاءً لغير هذا الوطن فليعلم أن الدولة باتت ترى ما كان لا يُرى.
إن تطهير الهوية من الشوائب الدخيلة ليس عملاً عقابياً، بل هو فعل محبة وطنية عميقة.
هو أن تُعيد الأمة تعريف نفسها بنفسها، أن تنظر في مرآة تاريخها فترى وجهاً واحداً جامعاً لا وجوهاً متصدعة مستعارة من مشاريع التفتيت الخارجي.
البحرين بعروبتها الأصيلة الممتدة في أعماق الزمن لا تحتاج أن تستورد هويتها من أحد، وأبناؤها السنة والشيعة الذين عاشوا معاً وبنوا معاً يعرفون في أعمق ما يعرفون أن ما يجمعهم أقوى بما لا يُقاس مما يحاول الغرباء زرعه بينهم.
وكسر هذه الحدود الوهمية المرسومة من الخارج هو بحد ذاته انتصار، انتصار لا يُحسب بعدد الصواريخ المعترضة، بل بعدد القلوب التي قررت أن تبقى معاً.
والمحن لها وجهان: وجه يُفتت الأمم الهشة، ووجه يصهر الأمم الحقيقية فيُولّد من رحمها فولاذاً لا يلين.
والبحرين اختارت الوجه الثاني.
في كل مرة دوّت فيها صافرة الإنذار لم يتفرق البحرينيون بل التفّوا، وفي كل مرة كشفت فيها أجهزة الدولة خليةً أو عميلاً أو شبكةً من شبكات التحريض، لم يحدث ما أراده العدو من بلبلة وتشكيك، بل حدث عكسه تماماً: مزيد من اليقين بأن الدولة يقظة وأن القيادة تعرف ما تفعل.
جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه أثبت في هذه المرحلة الدقيقة أنه يتقن فنَّ الحكمة العملية التي لا تُدرَّس في الكتب؛ أن تكون صارماً وحانياً، أن تكون قوياً وعادلاً، وأن تجعل من كل ضربة يوجهها العدو سبباً لمزيد من بناء الداخل لا لارتباكه.
قائد يبني ويحمي في آنٍ واحد، يصدّ الصاروخ بالمنظومة الدفاعية ويصدّ الفكرة المسمومة بمؤسسات الهوية والقيم والروح الجامعة.
الأمن لا يُبنى بالصواريخ والمسيرات ولا يُصان الاستقرار بزرع الألغام.
هذه الجملة ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل هي فلسفة أمة تعرف أين تقف وكيف تقف ولماذا تقف.
البحرين اليوم لا تدافع فقط، بل تؤسس، تؤسس لنموذج في المنطقة يقول إن الدولة الصغيرة مساحةً يمكن أن تكون عملاقة إرادةً، وإن الشعب الذي يلتحم خلف هويته الحقيقية لا تُهزمه الصواريخ ولا تخترقه الدسائس.
وإن للصبر حدوداً نعم، لكن ما يقع خلف هذه الحدود ليس الغضب الأعمى، بل الإرادة المحسوبة التي تعرف متى تصمت ومتى تتكلم ومتى تضرب.
هذه هي البحرين.
واحة عصية، وأرض كريمة، وشعب لا يُكسر.
هذا الموضوع من مدونات القراء ترحب" البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك