كان أكثر ما يبعث على القشعريرة في بلفاست هذا الأسبوع ليس الحرائق، بل ذلك الشعور بأن كل ما يحدث مألوف إلى حد بعيد.
بدأ الأمر على نحو خجول، وفق معايير بلفاست.
أُقيمت الحواجز، وأُغلقت الطرق، وأُحرقت حاويات القمامة.
وتصاعدت دوامات الدخان ثم تلاشت، مغطية المنازل بضباب رمادي خفيف.
وكان كل ذلك يُرى من الجو، عبر عدسة تستطيع، من ارتفاع ألف قدم، أن ترصد كل زاوية من زوايا شوارع المدينة.
خطر لي أن هذه هي الطريقة التي كانت قوات الأمن البريطانية تنظر بها إلى والديّ وأجدادي خلال فترة" الاضطرابات": من مروحيات كانت تطن فوق منازلهم في غرب بلفاست، وتراقبهم بكاميرات تشبه إلى حد بعيد تلك التي كنت أنظر من خلالها الآن.
ليتني أستطيع القول إن هذه ليست بلفاست التي نشأت فيها، لكن اجتياح حشود الموالين لبريطانيا شوارع المدينة ليس أمراً جديداً علينا.
فهو يكاد يكون جزءاً لا يتجزأ من الحياة فيها، وباستثناء بضع سنوات خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الحالي، كانت هناك في العادة مَظلمة أو قضية ما تؤدي إلى شل أجزاء كاملة من المدينة.
لكن بدلاً من الخلافات على مسارات المسيرات، أو النزاعات المتعلقة بالأعلام، أو حتى الواقعة الفاضحة عام 2001 حين فرض الموالون حصاراً عنيفاً على مدرسة ابتدائية للبنات، أُعيد توجيه العنف المنظم نحو هدف جديد: المهاجرين وطالبي اللجوء.
وفي نحو الساعة التاسعة مساءً [من مساء الـ 10 من يونيو (حزيران)]، بدأت الأمور تتصاعد.
وتحولت التجمعات الصغيرة إلى حشود كبيرة متنقلة، وانسابت عبر شوارع المنازل المتلاصقة بقصد واضح.
وأُحرقت حافلة من نوع" غلايدر" في شرق بلفاست، وأُضرمت النار في سيارات متوقفة أمام المنازل في منطقة تايغرز باي.
وحُطمت النوافذ، ورُكلت الأبواب لاقتحامها.
واستُهدفت منازل بعينها، أما المستهدفون في الشوارع فكان يُنظر إليهم بوصفهم فريسة مباحة إن كانوا مختلفين عرقياً أو دينياً، أو حتى إن بدا أنهم كذلك.
وبالطبع، كان المعتدون يحملون هواتفهم ويسجلون ما يحدث، وبالطبع وجدت تلك المقاطع طريقها إلى محادثاتي عبر" واتساب".
وما أثار دهشتي هو مقدار الابتهاج الذي كانوا يشعرون به وهم يرتكبون أفعالهم، إذ كانت أصواتهم المنتشية تهتف: " أخرجوا الأجانب" و" اقتلوا جميع المسلمين".
وكأنهم كانوا ينتظرون اندلاع هذا العنف، وقد استعدوا له.
تابعت البث المباشر لشبكة" سكاي نيوز" من بلفاست لنحو ساعتين.
وكانت المشاهد تُصور من مروحية تتحرك ذهاباً وإياباً فوق المدينة، وترصد حشوداً من المراهقين، يرتدي معظمهم ملابس سوداء ويغطون وجوههم، استعداداً لما سيصبح أسوأ ليلة من العنف المدفوع بالكراهية العنصرية في شمال إيرلندا منذ اضطرابات باليمينا قبل عام واحد تقريباً، في يونيو (حزيران) 2025.
وفجأة، استدارت المروحية واتجهت شمالاً، وتحركت بسرعة ملحوظة نحو عمود من الدخان الرمادي كان يخيم فوق منطقة ليغونييل.
كانت منازل تحترق: منزلان عند نهاية صف من البيوت، ومنزل آخر على الجانب المقابل من الطريق.
وكانت النيران تنتقل من منزل إلى آخر، فيما وقف حشد يضم نحو 200 شخص عند نهاية الشارع يتفرج.
وكانت عائلة، من بينها طفل صغير، قد أوصدت الأبواب على نفسها داخل منزل يبعد بابين عن ألسنة اللهب المستعرة.
وشاهدت مجموعة من رجال الإطفاء يطرقون باب المنزل ونافذته بعنف، ويصرخون عبر فتحة البريد، محاولين إقناع أفراد العائلة بالخروج.
واختارت العائلة الانتظار حتى اللحظة الأخيرة، حين كان دخان المنزل المجاور قد بدأ، بلا شك، يتسرب إلى منزلها.
ولم يقرر أفرادها المغادرة إلا عندما أدركوا أن الذين يطرقون بابهم هم رجال الإطفاء.
ولا يسعني إلا أن أتصور الخوف الحاد والمروع الذي عاشوه في تلك اللحظات، حين أُجبروا على الاختيار بين مواجهة حريق قد يلتهمهم ومواجهة الحشد الذي أشعله.
عندما شاهدت أفراد العائلة يهرعون في الشارع مبتعدين من النيران، فيما كانت الأم تضم طفلها إلى صدرها، لم أستطع منع نفسي من التفكير في الماضي.
فكرت في حشود الموالين لبريطانيا الذين دفعتهم العقيدة التفوقية نفسها إلى إحراق شارع كامل حتى سوته بالأرض على طريق فولز عام 1969.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)كان الشارع يُدعى" بومباي ستريت"، وكان سكانه من الكاثوليك المنتمين إلى الطبقة العاملة، وقد أُجبروا على ترك منازلهم وتحولوا إلى لاجئين داخل بلدهم.
وخلال شهر واحد، لقي ثلاثة آلاف آخرون المصير نفسه.
ولم تكن تلك حادثة استثنائية.
فما زال كثيرون يتذكرون المذابح التي جرت برعاية الدولة في السنوات الأولى التي أعقبت التقسيم، حين أُحرق 650 منزلاً، وهُجّر ثمانية آلاف شخص، وفقد ستة آلاف آخرون وظائفهم.
ومن الصعب تجاهل أوجه التشابه.
فالأساليب التي يتبعها هؤلاء المتطرفون ذوو النزعة الفاشية مألوفة على نحو لافت.
لكن بدلاً من الكاثوليك، أصبحت الأقليات العرقية هي المستهدفة الآن.
ومن الضروري اليوم إدراك هذا التشابه.
فعلى رغم أن الموالين لبريطانيا في المناطق ذات الغالبية البروتستانتية ارتكبوا معظم أعمال العنف التي شهدتها بلفاست هذا الأسبوع، فقد تصاعد العداء للمهاجرين أيضاً لدى بعض الكاثوليك.
لكن هذه المشاعر، لحسن الحظ، لم تنتشر بينهم على نطاق واسع حتى الآن.
لا يزال التاريخ يرسم مسارنا.
وكلما حدنا عنه، كان في وسعنا أن نعود إلى ما ورثناه من الماضي، وأن نتذكر آباءنا وأجدادنا وما بذلوه كي لا نعيش المظالم التي عاشوها.
فقد كانوا يوماً أقلية ضعيفة بلا حماية في دولة طائفية سخّرت كل قوتها لتهميشهم.
ووفاءً لهم، علينا أن نتصدى لهذه الصورة الجديدة من العقيدة المدمرة نفسها التي طبعت حياتهم اليومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك