يشارك أشخاص من الصم في الصين بفعّالية كبيرة في عمل توصيل طلبات الطعام، ويعتبرون ذلك عملاً أقل تمييزاً وأكثر استقلالية وفّره قطاع التجارة الإلكترونية لهم، ويأملون في نمو أكبر.
يحظى سائقون من الصم يعملون في توصيل طلبات الطعام في الصين، والذي يشكل العمود الفقري لقطاع التجارة الإلكترونية، باهتمام كبير في السنوات الأخيرة، ويستفيدون بشكل كبير من توفير المنصات الخاصة بالتوصيل ميزات في التواصل تُسهّل تفاعلهم مع المطاعم والزبائن، مثل تحويل الصوت إلى نص، والرسائل الجاهزة، والإشارات الرقمية التي تُنبه المستخدمين إلى حالاتهم على الطرقات.
وعموماً يحظى مجتمع الصم في الصين بفرص تعليمية ومهنية تتطور بشكل مستمر، حيث توجد أندية تنفذ نشاطات مجتمعية وبرامج تأهيل لهم، وتطلق مشاريع لتوظيفهم وإبراز طاقاتهم.
وفي نهاية عام 2024 وظّفت منصتا التوصيل الشهيرتان" ميتوان" و" إيلي.
مي"، وهما الأكبر في الصين، 6750 سائقاً من الصم وأكثر من 5000 سائق من ضعفاء السمع.
ومقارنة بعشرات ملايين الصينيين الذين يعانون من هذه الحالات، تبقى هذه الأرقام متواضعة، ما يشير إلى أن مشاركة هذه الفئة في سوق العمل لا تزال تحتاج إلى مزيد من النمو.
ورغم أن الموظفين الصم يواجهون ظروف عمل غير مستقرة ويحتاجون إلى حماية أكبر وأكثر فعّالية في العمل، تشير بعض التجارب إلى نتائج مشجعة، فارتفاع الدخل وزيادة التفاعل الاجتماعي يمكن أن يحسّنا أوضاع الصم المتدنية في أماكن عمل أخرى.
ولا يقتصر ما يكسبه العمال الصم على مجرد وظيفة، بل تتسع آفاقهم التي تجعلهم يصنعون من أنفسهم عمالاً يتميّزون باحترام الذات والثقة بالنفس ورفض التمييز والتوق إلى الحرية والحياة الأفضل.
وبحسب تقديرات محلية، يعاني نحو 28 مليون شخص في الصين من إعاقة سمعية، أي أكثر من 30% من إجمالي أصحاب الإعاقة في البلاد.
وهم يُواجهون صعوبات وإحراجات في حياتهم اليومية.
ويحث خبراء ومستشارون صينيون في مجال الطب النفسي على ضرورة أن يفهم المجتمع السائقين الصم ويدعمهم من أجل تسهيل اندماجهم في ميدان العمل الذي يواجه منافسة كبيرة، ومساعدتهم في تحسين ظروف عيشهم.
يعمل وانغ تشنغ، أحد سائقي توصيل الطعام الصم، في مدينة تشينغ داو بمقاطعة شاندونغ (شرق)، وقد حظي بشهرة كبيرة بعدما نشر قصته على موقع" ويبو" الصيني.
وبفضل تفانيه فاز مرات بأعلى تقييم لسائقي الطعام على منصة" ميتوان".
وهو يوجه قبل أن يتسلم الطعام ويوصله إلى من طلبه رسالة نصية مُعدة مسبقاً للعملاء يكتب فيها: " أنا سائق يعاني من ضعف في السمع ولا أستطيع الرد على الهاتف.
سأرسل رسالة نصية أو ألتقط صورة بعد وصولي".
ويبلغ متوسط دخل وانغ نحو عشرة آلاف يوان شهرياً (1470 دولاراً)، وهو يستعد لشراء منزل والاستقرار فيه بعد الزواج.
ويحظى وانغ بأعلى نسبة رضا من العملاء بفضل سرعته وكفاءته في توصيل الطعام.
والأهم من قدرته على إثبات ذاته في ميدان العمل أنه يملك روحاً ومعنويات عالية.
وبعكس باقي سائقي التوصيل، يضع وانغ دائماً بطاقة خاصة حول عنقه كُتب عليها: " مرحباً، أنا سائق توصيل أصم وأبكم.
أعتذر بشدة عن التأخير في التوصيل.
شهية طيبة".
ويكتب وانغ على" ويبو": " أعتبر وظيفة توصيل الطعام الأكثر عدلاً لي، وكلما زاد عدد الطلبات يزداد دخلي.
في العادة نادراً ما أستريح، وأعمل من التاسعة صباحاً حتى العاشرة مساءً يومياً، وأحياناً أوصل الطلبات في ساعات الصباح الباكر، لكن العمل الجدي يؤتي ثماره بالنسبة لي، وبفضل الطلبات الكثيرة التي أوصلها أحظى دائماً بنسبة حضور عالية ومن دون تقييمات سلبية".
يقول أستاذ الدراسات الاجتماعية السابق في جامعة صن يات سن، وي لي فنغ، لـ" العربي الجديد": " يعكس اهتمام شركات المنصات الإلكترونية بالأشخاص ذوي الإعاقة في الصين ومساعدتها لهم كيف يمكن أن تساهم التكنولوجيا في خدمتهم، وتساعد في القضاء على التحيّز والتمييز ضدهم".
يضيف: " تساعد الرقمنة راكبي الدراجات الصم على التغلب على العوائق والتحديات الاجتماعية، إذ تُتيح التكنولوجيا، باعتبارها عنصراً مهماً من عناصر القوى الإنتاجية الجديدة ومحركاً رئيسياً للتنمية الاجتماعية، فرصاً جديدة لجميع القطاعات".
ويوضح أنه" رغم الاهتمام بهذه الشريحة من المجتمع عبر توفير فرص عمل متكافئة لهم، تظل هناك صعوبات مهنية يواجهها السائقون الصامتون، ومثلاً عندما يتصل زبون لا يستطيع السائق الأصم الرد عليه.
أيضاً عندما يوجه السائق الأصم رسالة نصية قد لا يقرأها المستهلك.
وبسبب هذه الحواجز في التواصل، يُرجح أن يُساء فهم السائقين الصم، كما قد تقدم شكاوى ضدهم.
وبطبيعة الحال يتسبب ذلك بإحراج إضافي لهم، وقد يكون سبباً كافياً لمغادرتهم القطاع من دون رجعة، ما يتناقض مع الحديث عن تمكين هذه الفئات الخاصة من الاندماج في المجتمع، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحقيق قيمتهم الاجتماعية".
في المقابل، يرى خبراء يدافعون عن هذا التوجه أن العلاقة بين سائقي التوصيل الصم والمتاجر والزبائن تتسم عموماً بالانسيابية.
وبسبب حاجز اللغة يقل احتمال تصاعد النزاعات حول التأخير.
وعندما يُبلغ الزبائن بأن سائقاً أصم سيُوصل طلباتهم يكونون أكثر صبراً وتسامحاً غالباً.
ويشير هؤلاء إلى أن التقييمات والإكراميات المقدمة لسائقي التوصيل الصم كانت أعلى عموماً من نظرائهم الذين يسمعون، ما يعكس دعم المستهلكين توظيف الصم ومنحهم فرص عمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك