تكشف نتائج الربع الأول من العام الجاري عن تزايد الضغوط المالية على اقتصادات الخليج في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، إذ ألقت الحرب في المنطقة بظلالها على قطاع الطاقة وحركة الصادرات النفطية، ما انعكس بصورة مباشرة على أداء الموازنات العامة لدول مجلس التعاون الخليجي.
وتظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارات المالية الخليجية تباينا واضحا في قدرة الدول على احتواء تداعيات الأزمة، بين اقتصادات سجلت اتساعا ملحوظا في فجوة الموازنة وأخرى تمكنت من الحد من الضغوط المالية بفضل الاحتياطيات والأدوات التمويلية المتاحة.
ففي السعودية، أظهر تقرير أداء الموازنة تسجيل عجز بلغ 125.
7 مليار ريال (33.
5 مليار دولار) خلال الربع الأول، بعدما ارتفع الإنفاق الحكومي بنسبة 20% ليصل إلى 386.
7 مليار ريال.
وفي قطر، أعلنت وزارة المالية تسجيل عجز بقيمة 10.
3 مليارات ريال قطري (2.
7 مليار دولار)، بالتزامن مع تراجع الإيرادات الإجمالية بنسبة 23.
5% إلى 37.
8 مليار ريال.
أما سلطنة عمان، فقد نجحت في تقليص العجز المالي بصورة حادة ليهبط إلى 25 مليون ريال عماني (65 مليون دولار)، مقارنة مع 136 مليون ريال خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر يعكس تحسنا نسبيا في إدارة المالية العامة مقارنة ببعض دول المنطقة.
وفي المقابل، لم تنشر الإمارات والكويت والبحرين حتى الآن نتائج مالية تفصيلية للربع الأول من العام الجاري، ما يدفع المؤسسات المالية ووكالات التصنيف إلى الاعتماد على التقديرات الأولية لرصد حجم الضغوط المتوقعة على موازنات تلك الدول.
وتشير التقديرات إلى أن الكويت قد تواجه اتساعا في عجز الموازنة خلال العام المالي 2026 -2027 ليصل إلى 9.
8 مليارات دينار (31.
9 مليار دولار)، في ظل تراجع الإيرادات النفطية وتأثر حركة الصادرات.
أما البحرين، فتتوقع موازنتها للعام الجاري عجزا يبلغ 1.
1 مليار دينار بحريني، مع ترجيحات بوصوله إلى نحو 7.
5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي المقابل، تمثل الإمارات استثناء نسبيا بعد إقرار موازنة اتحادية متوازنة لعام 2026 بقيمة 92.
4 مليار درهم من دون تسجيل عجز مقدر، وفق بيانات نشرتها منصة" تريد أرابيا" المتخصصة في شؤون المخاطر السيادية والتقييم المالي.
ويرى خبراء المال والطاقة أن العجز المالي الخليجي مرشح للتنامي طالما استمر الصراع الإقليمي، مدفوعا بالتأثير المباشر لتعطل أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
ويؤدي الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط الخليجية، إذ يقدر أن نحو 14.
4 مليون برميل يوميا من نفط المنطقة تأثرت بحركة المرور عبر المضيق، وفق تقرير نشره موقع" ميدل إيست مونيتور" في 7 يونيو/حزيران الجاري.
كما تشير التقديرات إلى خسائر كبيرة في الإمدادات النفطية منذ اندلاع الحرب، ما تسبب في ضغوط على التدفقات النقدية والإيرادات الدولارية للشركات الوطنية.
ورغم ارتفاع أسعار النفط بنحو 30% نتيجة المخاوف المرتبطة بالإمدادات، فإن الزيادة السعرية لم تكن كافية لتعويض تراجع الكميات المصدرة فعليا.
وتشير التقديرات إلى انخفاض الصادرات النفطية السعودية بملايين البراميل يوميا مقارنة بالمعدلات المعتادة، بما انعكس على الإيرادات النفطية اليومية، وفق التقرير ذاته.
ولمواجهة هذا العجز المتنامي على المدى المتوسط، تمتلك دول الخليج مجموعة من الأدوات التكتيكية والهيكلية لحماية استقرارها المالي.
فعلى المستوى اللوجستي، تستعين بخطوط الأنابيب البديلة مثل خط" شرق - غرب" السعودي المؤدي إلى موانئ البحر الأحمر، وخط" حبشان - الفجيرة" الإماراتي لتصدير الخام بعيدا عن مضيق هرمز.
أما ماليا، فتعتمد على السحب المنظم من الاحتياطيات وصناديق الثروة السيادية الضخمة، بالتوازي مع تكثيف إصدارات السندات والصكوك السيادية.
وقد تصدرت السعودية أسواق الدين الخليجية خلال الربع الأول بإصدارات بلغت 32.
5 مليار دولار، وفق تقرير نشرته شركة" برايس ووتر هاوس كوبرز" (PWC) في 9 يونيو/حزيران الجاري.
كما اتخذت البنوك المركزية إجراءات لدعم السيولة في القطاع المصرفي، إلى جانب تفعيل سياسات حكومية لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وترشيد تكاليف المشاريع الكبرى بما يتناسب مع المعطيات الاقتصادية الراهنة، بحسب التقرير ذاته.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، لـ" العربي الجديد"، إلى أن الموازنات الخليجية خلال الربع الأول من العام الجاري تواجه ضغوطاً مالية واضحة في بعض الدول، ولا سيما المملكة العربية السعودية، وهو أمر لا يعزى فقط إلى تقلبات أسعار النفط، بل يعود أيضاً إلى تراجع القدرة على التصدير نتيجة اضطرابات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز.
ويعزو درويش عدم إعلان بعض الدول الخليجية نتائجها المالية التفصيلية حتى الآن إلى حالة الترقب والحذر السائدة بانتظار معرفة مآلات الحرب وما إذا كانت ستتصاعد أو تستقر أو تنتهي، ما يدفع صناع القرار إلى تبني سياسة انتظار حذرة.
غير أن العجز المالي في دول الخليج مرشح للتنامي إذا استمرت الحرب، بحسب درويش، خاصة مع التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة، وما قد يترتب عليه من حرب استنزاف طويلة تشكل ضغوطا إضافية على موازنات دول المنطقة.
ويضيف أن انخفاض الإيرادات الدولارية دفع بعض دول الخليج إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاحتياطيات والصناديق السيادية لتمويل احتياجاتها المالية، إلى جانب إعادة تقييم أولويات الإنفاق وتأجيل بعض المشاريع، بما يتيح توفير سيولة إضافية لمواجهة تداعيات الأزمة.
ويرى أن استمرار إغلاق المضيق وتعطل الصادرات النفطية لفترة طويلة قد يفرض تحديات غير مسبوقة على اقتصادات المنطقة، الأمر الذي يستدعي إدارة مختلفة للسيولة والاحتياطيات، مع ضرورة الحفاظ على ثقة المستثمرين الأجانب والحد من أي تدفقات رأسمالية خارجة قد يصعب تعويضها لاحقاً.
ويخلص درويش إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب إدارة حذرة ومدروسة للموارد المالية والسيولة المتاحة، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بمستقبل الصراع.
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف، لـ" العربي الجديد"، إلى أن العجز المالي في الموازنات الخليجية خلال الربع الأول من العام الجاري يمثل تحدياً مهماً، إلا أنه لا يشكل حتى الآن مؤشرا على أزمة مالية شاملة، نظراً لقوة المراكز المالية التي تتمتع بها معظم دول مجلس التعاون الخليجي وامتلاكها احتياطيات وأصولاً سيادية ضخمة.
ويؤكد مخلوف أن عدم إعلان بعض الدول نتائجها المالية بصورة تفصيلية لا يعني بالضرورة وجود أوضاع مالية مقلقة، موضحاً أن الحكومات غالبا ما تتأخر في نشر البيانات النهائية خلال فترات الأزمات الجيوسياسية بسبب تغير المعطيات الاقتصادية وصعوبة تقدير حجم التأثيرات المالية بدقة.
وترجح المؤشرات الحالية استمرار الضغوط على الموازنات الخليجية في حال استمرار الحرب وتعطل جزء من صادرات النفط.
وتشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن الأزمة أثرت في جزء مهم من صادرات النفط الخليجية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ما انعكس مباشرة على الإيرادات الدولارية للدول المنتجة.
ويؤثر تراجع الصادرات النفطية بصورة مباشرة في الإيرادات الحكومية، خاصة أن النفط والغاز لا يزالان يشكلان المصدر الرئيسي للدخل العام في معظم اقتصادات الخليج.
ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط العالمية ساهم جزئيا في تخفيف أثر تراجع الكميات المصدرة، وإن لم يعوض الخسائر بالكامل.
ومن المرجح، وفق تقدير مخلوف، أن يتسع العجز المالي إذا استمرت تداعيات الحرب لفترة طويلة، إلا أن حجم هذا التوسع سيختلف من دولة إلى أخرى بحسب درجة الاعتماد على الإيرادات النفطية ومستوى الإنفاق الحكومي وحجم الاحتياطيات المالية ومدى نجاح برامج تنويع الاقتصاد.
ويؤكد أن دول الخليج تمتلك أدوات متعددة لمواجهة العجز، في مقدمتها الصناديق السيادية التي تقدر أصولها بتريليونات الدولارات وتشكل خط الدفاع المالي الأول، إلى جانب القدرة على الاقتراض من الأسواق المحلية والعالمية عبر السندات والصكوك مستفيدة من تصنيفات ائتمانية قوية ومستويات دين قابلة للإدارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك