مع تسارع استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومات حول العالم، تتحول الحوسبة الكمومية من مشروع علمي طويل الأجل إلى سوق ناشئة تجذب مليارات الدولارات، وبينما يرى المؤيدون أنها قد تحدث ثورة في قطاعات الأدوية والخدمات المالية والأمن السيبراني، يحذر المتشككون من المبالغة في التوقعات قبل تجاوز العقبات التقنية المعقدة التي لا تزال تواجه الصناعة.
من عشرات الأجهزة إلى 5000 نظام خلال سنواتوبحسب «فايننشال تايمز»، فحتى الآن، لا يتجاوز عدد أنظمة الحوسبة الكمومية العاملة حول العالم عشرات الأجهزة فقط، لكن تقديرات شركة ماكينزي تشير إلى إمكانية ارتفاع العدد إلى نحو 5000 نظام بحلول عام 2030، في وقت تراهن فيه شركات كبرى مثل Google وIBM وMicrosoft على الوصول لأجهزة كمومية عملية خلال السنوات المقبلة، وتتوقع مايكروسوفت امتلاك حاسوب كمومي قادر على حل مشكلات تجارية معقدة بحلول عام 2029.
استثمارات ضخمة ومكاسب سوقية هائلةعكست الأرقام حجم الحماس المتزايد تجاه القطاع، وتجاوزت القيمة السوقية لشركة Quantinuum مستوى 15 مليار دولار بعد طرحها للاكتتاب العام، فيما ارتفع سهم شركة IonQ بأكثر من 700% منذ سبتمبر 2024.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة خططا لاستثمارات تصل إلى ملياري دولار في شركات متخصصة بالحوسبة الكمومية، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذه التكنولوجيا.
ما الذي يجعل الحاسوب الكمومي مختلفا؟تعتمد الحواسيب التقليدية على «البت» الذي يُمثِّل الصفر أو الواحد، بينما تعتمد الحواسيب الكمومية على «الكيوبت» القادر على الوجود في الحالتين معا في الوقت نفسه.
هذه الخاصية تمنح الأجهزة الكمومية قدرة هائلة على معالجة عدد كبير من الاحتمالات بالتوازي، ما يسمح بحل مشكلات معقدة تحتاج أجهزة الحوسبة التقليدية إلى سنوات أو عقود لمعالجتها، رغم ذلك، تشير الدراسات إلى أن الحاسوب الكمومي العملي يحتاج إلى ما لا يقل عن 1000 كيوبت منطقي، بينما يمتلك نظام «جينيسيس» التابع لشركة OQC نحو 16 كيوبت فقط، ما يوضح حجم الفجوة التقنية التي لا تزال قائمة.
الأدوية والبنوك في مقدمة المستفيدينتُعتبر صناعة الأدوية من أكثر القطاعات ترقب للحوسبة الكمومية، إذ يمكن لهذه التقنية محاكاة التفاعلات الكيميائية المعقدة والتنبؤ بفعالية الأدوية الجديدة بشكل أسرع وأكثر دقة، وتتطلع المؤسسات المالية إلى استخدام التكنولوجيا في إدارة المخاطر وتحسين المحافظ الاستثمارية وتحليل البيانات الضخمة والكشف عن الاحتيال، وأظهرت بعض التجارب انخفاض كبير في الأخطاء المرتبطة بأنظمة مكافحة الاحتيال مقارنة بالأساليب التقليدية.
يوم «Q» يثير مخاوف الأمن السيبرانيفي المقابل، يثير ما يعرف بـ«يوم Q» مخاوف واسعة داخل الحكومات والشركات، وهو اليوم الذي تصبح فيه الحواسيب الكمومية قادرة على كسر أنظمة التشفير الحالية، ما يعني إمكانية تعريض البيانات المالية والصحية وأسرار الأمن القومي للخطر، ما دفع المؤسسات إلى تطوير تقنيات «التشفير ما بعد الكمومي» لحماية البيانات قبل وصول هذه اللحظة.
تحديات ضخمة قبل الانطلاقةورغم الزخم الكبير، لا تزال الصناعة تواجه عقبات فنية معقدة، أبرزها مشكلة الضوضاء التي تؤدي إلى أخطاء في الحسابات الكمومية، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير أنظمة تصحيح الأخطاء والخوارزميات والبنية التحتية الداعمة، ولكن مع استمرار الاستثمارات الحكومية والخاصة وتزايد التعاون بين شركات التكنولوجيا والقطاعات الصناعية، يرى كثيرون أن الحوسبة الكمومية قد تكون أقرب إلى الواقع مما كان متوقعاً قبل سنوات قليلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك