محمد خضير الانباري يعدُ الأستاذ الجامعيّ إحدى أهمِ الركائزِ التي تقومُ عليها نهضةُ الأممِ وتقدمُ المجتمعات، فهوَ ليسَ مجرد ناقلٍ للمعرفةِ أوْ ملقنٍ للمعلومات، بلْ هوَ صانعٌ للعقول، وموجهِ للأجيال، ومساهم في بناءِ الإنسانِ القادرِ على قيادةِ مؤسساتِ الدولةِ والمجتمع.
تقاسُ قوةُ الجامعاتِ في مختلفِ دولِ العالمِ بمستوى أساتذتها وكفاءاتهمْ العلميةِ والأخلاقيةِ والبحثية، إذْ إنَ الأستاذَ الجامعيَ يمثلُ الواجهةَ العلميةَ والثقافيةَ للمؤسسةِ الأكاديميةِ التي ينتمي إليها.
يحظى الأستاذُ الجامعيُ بمكانةٍ رفيعةٍ في المجتمعاتِ المتقدمةِ والناميةِ على حدٍ سواء، لما يؤديه منْ دورٍ محوريٍ في إعدادِ الكفاءاتِ العلميةِ والمهنية، التي تتولى إدارةْ الدولةِ في مختلفِ المجالاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والقانونيةِ والطبيةِ والهندسيةِ والتربوية، فالطبيبُ والمهندسُ والقاضي والمعلمُ والباحثُ والمسؤولُ الإداريُ جميعهمْ مروا عبرَ قاعاتِ الدراسةِ الجامعية، وتأثروا بأساتذتهم، ومنْ هنا فإنَ أثرَ الأستاذِ الجامعيِ لا يقتصرُ على طلبتهِ فحسب، بلْ يمتد؛ ليشملَ المجتمع بأسره، إذْ يسهمُ بصورةٍ مباشرة، وغير مباشرة في رسمِ ملامحِ المستقبل.
أشارَ المؤرخُ والأكاديميُ الجزائريُ (ناصر الدين سعيدونني) إلى أنَ قيمةَ الأستاذِ الجامعيِ تقوم، على ثلاثةِ أسسٍ رئيسة: المؤهلُ العلمي، الإنتاجُ الأكاديميّ المتواصل، والسلوك الأخلاقيّ القويم، وهيَ ركائزُ لا يمكنُ تجاوزها إذا أرادَ الأستاذ أنْ يحافظَ على مكانتهِ العلميةِ والمجتمعية.
والتي يمكنُ تناولها وفقَ ما يلي.
الأساسُ الأول: المؤهلُ العلميُ الرصينُ يعدُ المؤهل العلميّ بوابةْ الدخولِ إلى عالمِ التعليمِ الجامعيِ والبحثِ العلمي.
ولا يقتصرُ الأمرُ على الحصولِ على شهادةٍ عليا فحسب، بلْ يتطلبُ امتلاك معرفةٍ عميقةٍ ومتجددةٍ في مجالِ التخصص، معَ الإلمامِ بالمعارفِ المرتبطةِ به.
فالأستاذُ الجامعيُ الحقيقيُ هوَ الذي يستمرُ في التعلمِ طوالَ حياته، ويواكبُ المستجدات العلمية والتكنولوجية، ويحرصُ على تطويرِ خبراتهِ ومهاراتهِ بما يتناسبُ معَ التطوراتِ المتسارعةِ في العالم.
الأساسُ الثاني: الإنتاجُ الأكاديميُ المتواصلُيعدُ البحثُ العلميُ والإنتاجُ الأكاديميُ روحَ الجامعةِ وعنوانَ تقدمها، فالأستاذُ الذي يتوقفُ عنْ البحثِ والتأليفِ والنشرِ العلمي، يفقدُ تدريجيا قدرتهُ على مواكبةِ التطوراتِ العلميةِ الحديثة، ولهذا، فإنَ الأستاذَ الجامعيَ مطالبٌ بأنْ يكونَ منتجا للمعرفةِ لا مستهلكَ لها فقط، وأنْ يشاركَ في المؤتمراتِ والندواتِ العلمية، وينشرَ البحوثَ المحكمة، ويسهمُ في معالجةِ مشكلاتِ المجتمعِ منْ خلالِ الدراساتِ العلميةِ الرصينة، كما أنَ البحثَ العلميَ المستمر، يمنحُ الأستاذَ شخصيةً علميةً مستقلة، ويجعلهُ مرجعا، في تخصصهِ داخلَ جامعتهِ وخارجها، ويكسبهُ احترام المجتمعِ الأكاديميِ محليا ودوليا.
الأساسُ الثالث: الأخلاقُ والنزاهةُ الأكاديميةُ يحملُ الأستاذ الجامعيّ رسالة تربوية مهمة، قبلَ أنْ يؤديَ وظيفة تعليمية.
ولذلكَ فإنَ النزاهةَ العلميةَ والصدقَ والأمانةَ واحترامَ الحقوقِ الفكريةِ والعدالةِ في التعاملِ معَ الطلبةِ تمثلُ أساسا لنجاحِ العمليةِ التعليمية.
كما ينبغي أنْ يتحلى الأستاذُ بالتواضعِ واحترام الآخرينَ وحسن الاستماعِ لآرائهم، وأنْ يكونَ قدوة لطلبتهِ في الانضباطِ والالتزامِ وتحملٍ المسؤولية.
قالَ اللهُ تعالى: يرفعُ الله الذينَ آمنوا منكمْ والذينَ أوتوا العلم درجات؟ صدقَ اللهُ العظيم، وتشيرُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ إلى المنزلةِ العظيمةِ التي يحتلها أهلُ العلمِ في المجتمع، وما يترتبُ على ذلكَ منْ مسؤولياتٍ أخلاقيةٍ وعلميةٍ كبيرة.
الصفاتُ المطلوبةُ في الأستاذِ الجامعيِ الناجح.
يمكنُ تلخيصُ أبرزِ الصفات، التي ينبغي أنْ يتحلى بها الأستاذُ الجامعيُ فيما يأتي.
1.
التمكنُ العلميُ العميقُ في مجالِ التخصص.
2.
حبُ التعلمِ والتطويرِ المستمر.
3.
النشاطُ البحثيُ والإنتاجُ العلميُ المتجدد.
4.
الثقافةُ العامةُ الواسعةُ والاطلاع على قضايا المجتمع.
5.
النزاهةُ والأمانةُ العلمية.
6.
العدالةُ في تقييمِ الطلبة.
7.
التواضعُ واحترام الآخرين.
8.
القدرةُ على الحوارِ وتقبلِ الرأيِ المختلف.
9.
الانضباطُ في المواعيدِ وأداءِ الواجبات.
10.
حسنٌ المظهرُ والملبس اللائق الذي يعكسُ هيبةَ الأستاذِ الجامعي.
11.
اللباقةُ في الحديثِ والتعامل.
12.
المحافظةُ على الكرامةِ الشخصيةِ والاستقلاليةِ الفكرية.
13.
الابتعادُ عنْ التعصبِ والتحيز.
14.
تشجيعُ الإبداعِ والابتكارِ لدى الطلبة.
15.
استخدامُ التقنياتِ الحديثةِ في التعليمِ والبحثِ العلمي.
– المظهرُ الخارجيُ للأستاذِ الأكاديمي:إنَ المظهرَ الخارجيَ للأستاذِ الجامعيِ ليسَ أمرا شكليا فحسب، بلْ يعكسُ احترامه لمهنته، ولطلبته، ولمؤسستهِ العلمية.
فالأناقةُ والاعتدالُ وحسنُ الهندامِ تتركُ أثرا إيجابيا في نفوسِ الطلبة، وتسهمُ في تعزيزِ صورةِ الأستاذِ ومكانته.
- العلاقة معَ الطلبة: ينبغي أنْ تقومَ علاقةُ الأستاذِ الجامعيِ بطلبتهِ على الاحترامِ المتبادلِ والتوجيهِ الأكاديميِ السليم، فالأستاذُ الناجحُ هوَ الذي يوازنُ بينَ الحزمِ والمرونة، ويحتفظُ بمسافةِ أكاديميةٍ تحفظُ هيبته واحترامه، دونَ أنْ يمنعهُ ذلكَ منْ تقديمِ الدعمِ العلميِ والإنسانيِ لطلبته، كما أنَ تشجيعَ الطلبةِ على التفكيرِ يساعدُ في تعزيزِ مكانتهِ لدى الطلبةِ والجامعةِ التي يعملُ فيها.
– بعض الدولِ الداعمةِ للتعليم:– ألمانيا: منْ أبرزِ الدولِ الداعمةِ للبحثِ العلمي، حيثُ توفرُ الجامعات ومراكز الأبحاثِ إمكانات كبيرة للباحثين، مما جعلها منْ الدولِ الرائدةِ في الصناعةِ والتقنيةِ والابتكار.
– اليابان: بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ ركزتْ اليابانُ على التعليمِ والبحثِ العلمي، ومنحتْ الأكاديميينَ والعلماءَ مكانة مرموقة، فكانتْ النتيجةُ نهضةً صناعيةً وتكنولوجيةً جعلتها منْ أكبرِ اقتصاداتِ العالم.
– كوريا الجنوبية: استثمرتْ كوريا الجنوبيةَ بشكلٍ كبيرٍ في الجامعاتِ والبحثِ العلمي، وربطتْ التعليمَ بالتنميةِ الاقتصادية، فتحولتْ خلالَ عقودٍ قليلةٍ منْ دولةٍ ناميةٍ إلى واحدةٍ منْ أكثرِ الدولِ تقدما في التقنيةِ والصناعة.
– فنلندا: تعرفُ بجودةِ نظامها التعليمي، حيثُ يحظى المعلمُ والأستاذُ الجامعيُ باحترامٍ كبير، وتختارُ الكفاءات العلمية بعناية، الأمرِ الذي انعكسَ على مستوى التعليمِ والابتكارِ فيها.
من خلال ما تقدم؛ لايعد الأستاذَ الجامعيَ موظفا عاديا يؤدي ساعاتِ عملٍ محددة، بلْ هوَ حامل رسالة علمية وإنسانية ووطنية عظيمة، وتتجسدُ قيمتهُ الحقيقيةُ في علمهِ المتين، وإنتاجه البحثيّ المستمر، وأخلاقه الرفيعة، وثقافته الواسعة، واحترامه لطلبتهِ وزملائهِ ومجتمعه، وكلما ارتفعتْ مكانةُ الأستاذِ الجامعي، وتهيأتْ لهُ الظروفُ المناسبةُ للإبداعِ والبحثِ والابتكار، ارتفعَ شأنُ الجامعةِ وتقدمُ المجتمعِ بأسره.
إن نهضةُ الأممِ تبدأُ منْ قاعاتِ الدراسةِ ومختبراتِ البحثِ العلمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك