إيلاف - كواليس اتفاق إيران وأميركا.. لماذا انتظر الإيرانيون منتصف الليل؟ وما العبارة التي عدّلها الرئيس؟ Euronews عــربي - فيديو. موسيقي من برلين يحول افتتاح ألمانيا في كرة القدم إلى عرض موسيقي Euronews عــربي - جولة جري جديدة في روما لزيارة القطط في أرجاء المدينة الخالدة قناة القاهرة الإخبارية - إسرائيل: لن نلتزم باتفاق واشنطن وطهران ومتمسكون بالبقاء العسكري في جنوب لبنان قناة التليفزيون العربي - إبراهيم الخطيب: من المحتمل أن يستمر نتنياهو في حربه على لبنان رغم الاتفاق الأميركي الإيراني CNN بالعربية - عراك دموي نادر بين ذكرين من الورل الصحراوي في أبوظبي وكالة الأناضول - ترحيب دولي بالتوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران (محصلة) العربية نت - 3 ترقيات كبيرة في Galaxy S27 Ultra لإنهاء الشكاوى الأزلية الجزيرة نت - جنيف تغلي احتجاجا على قمة السبع وفلسطين تتصدر المشهد وترمب محور التظاهر قناة القاهرة الإخبارية - كيف سينعكس اتفاق "واشنطن - طهران" على جبهة جنوب لبنان؟
عامة

روح الله الفضل حبش

اليوم السابع
اليوم السابع منذ يومين
2

يكتب مجدي نصار في روايته" روح الله الفضل حبش" حكاية فتاة مختلفة، تحمل على جسدها علامات استثنائية، قمرًا على صدرها وشمسًا على ظهرها، ووحمات أخرى تجعل حضورها مفتوحًا على الدهشة والخوف والشفقة والرغبة وا...

يكتب مجدي نصار في روايته" روح الله الفضل حبش" حكاية فتاة مختلفة، تحمل على جسدها علامات استثنائية، قمرًا على صدرها وشمسًا على ظهرها، ووحمات أخرى تجعل حضورها مفتوحًا على الدهشة والخوف والشفقة والرغبة والتأويل، ومن خلال هذه العلامات، تدخل الرواية إلى عالم اجتماعي واسع، عالم يرى كثيرًا ويتحدث كثيرًا ويضع الإنسان المختلف داخل صورة يصعب عليه الإفلات منها.

تبدو" روح" في ظاهر الحكاية فتاة تحمل علامات جسدية، لكن الرواية تذهب أبعد من ذلك فتجعل من جسدها وثيقة اجتماعية يقرأها الناس ويفسرونها ويعلقون عليها، وهنا ينهض السؤال المركزي في الرواية: كيف تتحول العلامة الجسدية إلى خطاب؟ وكيف يتحول الخطاب إلى قدر يلاحق صاحبته؟في مستوى الحكاية، نحن أمام فتاة اسمها" روح الله الفضل حبش"، تحمل جسدًا مختلفًا وتعيش وسط مجتمع يراقب هذا الاختلاف ويمنحه معاني متناقضة، وفي مستوى الخطاب تتسع الدائرة فنجد أنفسنا أمام أسئلة تتعلق بالسلطة: من يملك حق التسمية؟ من يملك حق النظر؟ من يملك حق الحكم؟ ومن يمنح العلامة معناها الأخير؟العلامة في جسد روح وحمة أو أثر، لكن المجتمع يحولها إلى لعنة أو معجزة أو عيب أو فتنة أو كرامة أو فضيحة أو مادة للشفقة، ومن هنا تبدأ مأساة الشخصية، حيث تأتي المعاناة من الجسد، ثم تكبر بفعل المعاني التي يفرضها الآخرون عليه، الجرح هنا يتجاوز الجلد، ويمتد إلى اللغة والعيون والتفسيرات المتراكمة.

يحمل اسم" روح الله الفضل حبش" دلالات دينية وشعبية ووجدانية، لكنه سرعان ما يتراجع أمام أسماء أخرى يمنحها المجتمع لها: المسكينة، المختلفة، صاحبة العلامة، صاحبة الكرامة، صاحبة الجسد الذي يستدعي النظر، وهنا تتحول التسمية إلى شكل من أشكال الحبس، لأن الإنسان حين يختصره الآخرون في صفة واحدة، تصبح هذه الصفة بديلًا عن شخصيته كلها.

ومن أهم مفاتيح الرواية قول روح، " العالم عين كبيرة تراقبني"، هذه العبارة تفتح الباب لقراءة الرواية كلها بوصفها رواية عن سلطة النظر، العالم هنا بيت وشارع وعائلة وجيران، لكنه قبل ذلك كله عين، والعين في الرواية ترى، ثم تحكم، تلاحظ، ثم تفسر، تشفق، فتجرح، وتحب، فتفضح.

تقول روح أيضًا: " كل فرد يمثل عينًا، تلمح مأساتي، تمنحني نظرة أولى، أتجاوزها، لا بد لشيء غريب أن يثير الدهشة، ثم تتبعها بنظرة ثانية، تلازمني للأبد"، في هذه العبارات ترسم الرواية آلية اجتماعية دقيقة، النظرة الأولى تأتي من الدهشة، والنظرة الثانية تتحول إلى إقامة دائمة في الذاكرة، روح تفهم دهشة الآخرين أمام الغريب، لكنها تتألم من النظرة التي تستقر وتعود وتجعلها موضوعًا دائمًا للشفقة أو الخوف أو التأمل.

وتبلغ الرواية ذروة تعبيرها عن هذا المعنى في قول روح، " نظرات القريبين لا تفارقني، تشكل جبلًا من النظرات يحول بيني وبين حياة طبيعية"، إن صورة" جبل النظرات" من أقوى صور الرواية، فالنظرة تتحول من لحظة عابرة إلى تراكم، ومن عين واحدة إلى بنية كاملة تحاصر الشخصية، تسير روح في الحياة محاطة بتاريخ من النظرات، وهذا التاريخ يحجب عنها حقها في العيش الطبيعي.

ومن خلال هذه البنية، تكشف الرواية سلطة النظر في المجتمع، العالم يرى" روح" ثم يضعها في معنى، ثم يطالبها بأن تعيش داخل هذا المعنى، هكذا يتحول الجسد إلى نص مفتوح ويتحول الناس إلى قراء قساة لهذا النص.

وتظهر في الرواية استراتيجية واضحة يمكن تسميتها باستراتيجية الإسناد، أي الصفات التي تلصق بالشخصية وتعيد تشكيلها في وعي الآخرين، تقول روح عن العيون: " منحتُها ألوانًا: سوداء قاسية، بيضاء حانية، رمادية تقسو حينًا وتحنو حينًا، وردية إن منحتني حبًا، حمراء إن اشتهت مفاتني، زرقاء إن ربطتني بكرامات وهمية، بنية أكرهها لأنها تشبه مأساتي"، نحن هنا أمام خريطة كاملة للخطاب الاجتماعي، الأسود قسوة، الأبيض حنان، الرمادي تردد، الوردي حب، الأحمر رغبة، الأزرق خرافة، والبني مأساة.

ألوان العيون تتحول إلى ألوان للخطاب نفسه، فكل عين تدخل حياة روح وهي تحمل طريقة خاصة في رؤيتها، حتى النظرات الحانية في الرواية تحمل عبئًا؛ فالشفقة، حين تأتي من موقع أعلى، تتحول إلى جرح آخر.

إنها تمنح صاحبها شعورًا بالطيبة، لكنها تضع المختلف في موضع أدنى، وتجعله يعيش داخل تعريف صنعه الآخرون له.

ومن هنا يمكن قراءة الجسد في الرواية بوصفه نصًا مفتوحًا.

القمر على الصدر، والشمس على الظهر، والوحمة علامات تكتسب معناها من القراءة الاجتماعية.

الجسد يغادر ملكية صاحبته، ويصبح مجالًا عامًا قابلًا للتفسير والتعليق والحكم.

روح تخاف من جسدها، لكنها تخاف أكثر من قراءة الآخرين لهذا الجسد.

ويظهر ذلك بوضوح في مشهد خلع الحجاب قبل دخول الجامعة، حيث يتحول القرار الشخصي إلى حدث اجتماعي، الأب يبتسم متفهمًا، مديحة تشجعها بغمزة، العمة تمصمص شفتيها، الشيخ مصطفى يستغفر، سعد يستاء، سامية تبتهج حين ينسدل الشعر فوق المأساة، مارينا تشبهها بنجمات السينما، وتوفيق يغازلها ويصف شعرها بالحرير.

الفعل الفردي يتحول إلى مشهد جماعي، وكل شخص يمنحه معنى مختلفًا.

وهنا تطرح الرواية سؤالًا عميقًا: من يملك الجسد؟ صاحبته، أم العائلة، أم الجيران، أم الذاكرة الاجتماعية؟ومن جماليات الرواية أنها تمنح الشمس والقمر قدرة على الكلام، وبما أن الشمس والقمر مرسومان على جسد روح، فإن الجسد نفسه يصبح مسرحًا للأصوات، هنا تظهر الواقعية السحرية بوصفها تقنية فنية تكشف الواقع الاجتماعي، وتمنح العلامة الجسدية حياة داخلية، القمر يقترب من السر والحب والليل والانكشاف الداخلي، والشمس تقترب من الجرح والظهور والفضح، وروح تقف بين الاثنين، بين ما تخفيه وما يظهر، بين ما تقوله لنفسها وما يقوله الآخرون عنها.

وتمنح الرواية روح قدرة عجائبية على الشفاء، فقد تلمس مريضًا فيشفى، لكن المعجزة هنا تزيد عزلتها، المختلف حين يتحول إلى معجزة يبقى مختلفًا، وتزداد المسافة بينه وبين الناس، المعجزة تمنح الآخرين سببًا جديدًا للتأويل، وتمنح روح عبئًا جديدًا في رحلة البحث عن حياة عادية.

ومن الزوايا المهمة في الرواية كثافة الأفعال، إنها رواية أفعال متلاحقة، تنتظر، تجلس، تبوح، تخجل، تفشي، تخرج، تنزوي، تموت، تصحو، تضطرب، تترك، تقترب، تنادي، يقرأ، تتحرك، يلاحقها، هذه الكثافة تصنع إيقاعًا خاصًا، العالم حول روح يتحرك باستمرار، حتى وهي في السرير، النافذة مفتوحة، والشارع يعمل، والناس يتحدثون، والروائح تأتي، والذكريات تستيقظ.

يقول النص: " النافذة مفتوحة على روائح وأصوات: أحاديث عند محل الطعمية، رائحتها الحلوة وهي ساخنة، همسات النساء في الشرفات، رائحة الغسيل على المناشر، ضحكات الأطفال.

"، المشهد خارجي في ظاهره، لكنه يحدث داخل وعي روح.

محل الطعمية، الشرفات، الغسيل، الأطفال، المؤذن، التلاميذ، الجوزة، التلفزيون، المطبخ، الجريدة؛ كل هذه التفاصيل تتحول إلى شبكة ضغط.

الخارج يندفع إلى الداخل، والداخل يعيد إنتاج الخارج في صورة قلق وخوف وانتظار.

وسط هذا العالم الممتلئ بالعيون، يظهر هاني بوصفه عينًا مختلفة.

أهميته في الرواية أنه يرى روح بطريقة تمنحها احتمالًا نادرًا لأن تُرى خارج الجرح والوصمة.

تقول روح: «حين طالع هاني صورتي بالحجاب، ابتسم، أزاح الخصلات: عينيكي جميلة».

هذه الجملة الصغيرة تفتح مساحة واسعة داخل الرواية؛ هاني ينقل النظر من موضع العلامة إلى موضع الجمال، يرى العينين، يرى المرأة، ويمنح روح فرصة أن تشعر بأنها محبوبة، كامرأة كاملة الحضور، لا كحالة مثيرة للدهشة أو الخوف.

لهذا يمثل هاني خطاب قبول داخل الرواية، عينًا لا تجرح، بل تفتح.

عين تمنح روح راحة مؤقتة وسط جبل النظرات.

وحين يقتل هاني، تفقد روح رجلًا أحبها، وتفقد معه طريقة مختلفة في رؤيتها.

موته يصبح موتًا لاحتمال القبول داخل العالم.

أما أميرة، فتمثل وجهًا آخر من وجوه النظر.

الغيرة هنا ليست شعورًا شخصيًا فحسب، بل جزء من عالم يرى الحب امتلاكًا، ويرى المرأة الأخرى تهديدًا، ويرى المختلف حين يصبح محبوبًا خروجًا على الترتيب المعتاد.

قتل هاني نتيجة الغيرة يكشف أن الحب في الرواية يتحرك داخل مجتمع يراقب، ويقارن، ويغار، ويعاقب.

حين تحب روح، تنتقل من موقع الحالة المستثناة إلى موقع المرأة المختارة، وهذا الانتقال يربك العالم حولها.

هنا يصبح الحب مقاومة، ويصبح الفقد عودة قاسية إلى الحصار الأول.

وتحتل المرآة موقعًا مهمًا في بناء الرواية.

في نص مركزه العيون، تصبح المرآة عينًا أخرى، لكنها عين مزدوجة؛ تمنح روح فرصة أن ترى نفسها، وتعيد إليها في الوقت نفسه خوفها وذاكرتها.

الناس يراقبونها من الخارج، والمرآة تمنحها مجالًا للرؤية من الداخل، لكنها تكشف أيضًا ما تحاول الهروب منه.

ومن هنا يصبح فعل الرؤية نفسه جزءًا من المأساة.

الرواية تجعل الرؤية فعلًا أساسيًا: الناس يرون، القمر يرى، الشمس ترى، المرآة ترى، وروح ترى نفسها في عيون الجميع.

كل هذه العيون تصنع عالمًا شديد الكثافة، حيث يصبح المكان مصنعًا للخطاب، لا إطارًا للحكاية وحدها.

المجتمع ينتج خطابًا شعبيًا حول جسد روح، يربط المختلف بالكرامة، والخوف، والفضيحة، والقدر، وكلام النساء والرجال.

ومن زاوية تحليل الخطاب، يمكن القول إن مأساة روح تتشكل عبر ثلاث سلطات: سلطة العين، وسلطة الكلمة، وسلطة الفعل.

العين تراقب، والكلمة تسمي وتصف، والفعل يطارد ويحاصر.

هذه السلطات تعمل معًا؛ المجتمع يرى العلامة، يمنحها اسمًا، يضيف إليها معنى، ثم يتعامل مع روح من خلال هذا المعنى.

ومع الوقت تتحول المعاني إلى مصير.

هنا تتضح قوة الرواية.

إنها تكشف كيف تصنع المأساة اجتماعيًا.

الجرح يبدأ من الجسد، ثم يكبر في اللغة.

العلامة تظهر على الجلد، ثم تتحول إلى حكاية في أفواه الناس.

والإنسان يحاول أن يسترد نفسه من هذه الحكاية، وأن يستعيد صورته من العيون التي صادرته.

تصل الرواية في النهاية إلى فكرة مركزية شديدة الإنسانية: مأساة روح أن العالم يصر على رؤيتها من خلال جرحها.

يحمل جسدها علامة، فيحولها الناس إلى تعريف كامل.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية، معركة استعادة الصورة، واستعادة الاسم، واستعادة الحق في أن تكون إنسانًا قبل أي صفة أخرى.

" روح الله الفضل حبش" رواية عن فتاة وجسد وحب وقتل ومعجزة، وهي كذلك رواية عن عالم من عيون، عالم يرى كثيرًا، ويحكم سريعًا، ويترك المختلف يحاول وحده أن يستعيد إنسانيته من بين نظرات الآخرين، وقوة الرواية أنها تجعل القارئ يراجع عينه هو، كيف ننظر إلى المختلف؟ كيف نسميه؟ كيف نفسره؟ كيف نحاصره أحيانًا بالشفقة كما نحاصره بالقسوة؟ وكيف تتحول كلمة عابرة أو تعليق على جسد أو نظرة طويلة إلى جرح مستمر في حياة شخص آخر؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك