بعد سنوات طويلة ارتبط فيها اسم كاظم الساهر بالقصيدة الفصحى والأغنية الرومانسية الكلاسيكية، يعود" القيصر" إلى اللون العراقي الذي شكل جزءا أساسيا من بداياته الفنية ورسخ جماهيريته الأولى في العالم العربي.
عودة أعادت فتح النقاش حول موقع الأغنية العراقية في مشروعه الفني، لكنها تأتي هذه المرة من زاوية مختلفة مع أولى أغنيات ألبومه العراقي" متى"، التي تكشف أن الساهر لا يعود إلى اللون العراقي بوصفه ذاكرة فنية فحسب، بل بوصفه مساحة جديدة للتجريب وتطوير لغته الموسيقية الخاصة، وتوسيع حدوده عبر مزج هويته العراقية بخيارات لحنية وتوزيعية أكثر حداثة.
list 1 of 4في عيد ميلاده الـ68.
رحلة استثنائية للقيصر الرحال كاظم الساهرlist 2 of 4" عفيفة إسكندر".
نجمة العراق الأولى بين المجد والعزلة: حقائق لا تعرفها عن هويتها وجنسيتها الحقيقيةlist 3 of 4كنعان وصفي.
ممثل عراقي في السينما المصرية ومطرب نجح في أدوار الشرlist 4 of 4من المنع والملاحقة إلى رعاية الدولة.
دمشق تحتضن “أيام الثقافة الكردية” لأول مرةمنذ الاستماع الأول، تبدو" متى" إعلانا واضحا بأن كاظم الساهر لا يعود إلى الأغنية العراقية من البوابة نفسها التي دخل منها قبل عقود.
وبينما يحافظ على الشجن والأحاسيس التي ميزت أعماله العراقية، يختار هذه المرة بناء موسيقيا معاصرا، يبتعد عن تكرار التجارب السابقة ويمنح الأغنية شخصية جديدة، كأنه يعيد قراءة للإرث لا إعادة إنتاج له، ويستحضر روحا قديمة داخل صياغة حديثة لا تنفصل عن أدوات العصر.
هشام نياز.
كواليس رؤية موسيقيةما وراء الأغنية لا يقل أهمية عن نتيجتها، ولا يتوقف عند ما يسمعه الجمهور، بل يمتد إلى كواليسها.
هناك يكشف الموزع الموسيقي المصري هشام نياز جانبا من الرؤية التي وقفت خلف هذا العمل.
هشام نياز، الذي سبق أن تعاون مع الساهر في" حافية القدمين" و" أحبيني بلا عقد" و" نزلت للبحر" و" كلما تكبر تحلى" وغيرها، لا ينظر إلى الأغنية بوصفها مشروعا تقنيا فقط، بل امتدادا لتراكم سمعي وثقافي بدأ منذ الطفولة.
يروي نياز أن علاقته بالموسيقى العراقية تعود إلى منتصف السبعينيات، حين عاش فترة من طفولته في قطر.
هناك كان التلفزيون القطري يبث أغنيات عراقية في وقت لم تكن تلك الأعمال حاضرة في الذاكرة المصرية بالقوة نفسها.
عبر تلك البوابة المبكرة تعرّف إلى أصوات مثل ياس خضر وفاضل عواد وحسين نعمة وناظم الغزالي، وتشكّل وعيه على إرث محمد القبانجي، أحد أبرز أعلام الغناء العراقي، إضافة إلى الشعر الشعبي وأسماء مثل جبار عكار.
ويقول إن الشخص الذي يمتهن الموسيقى ويحبها يشبه جهاز تسجيل يحتفظ بكل ما يسمعه في منطقة بعيدة من اللاوعي، لتعود هذه المواد لاحقا في لحظة إبداعية غير متوقعة.
وعندما وصلته كلمات" متى" ولحنها بصوت كاظم الساهر، شعر أنه لا يتعامل مع عمل جديد فقط، بل مع طبقات قديمة من ذاكرته السمعية أعيد فتحها فجأة.
" متى".
حالة تاريخية لا نوستالجياوجد نياز في" متى" ملامح من الغناء البغدادي القديم، بما يحمله من رجولية وعنفوان المحاربين، ويستحضر حالة تاريخية أكثر مما يكرر شكلا تقليديا من أشكال الأغنية السائدة.
يقول إنه وجد نفسه يبحث عن أصوات تدعم هذا الإحساس: " كنت أريد أن أوصل للمستمع بهذه الأغنية حالة تاريخية.
لا يهم إن كانت تعيدنا للتسعينيات أو لغيرها، المهم إحساس اللحظة التي يفرضها اللحن".
من هنا بدأت فكرة التوزيع.
لم يكن الهدف تقديم نوستالجيا للتسعينيات، ولا إعادة تشكيل التراث بشكل مباشر، بل الوصول إلى إحساس محدد فرضه العمل نفسه.
ولهذا تعامل نياز مع الآلات بوصفها أدوات تشكيل لا هويات مغلقة، فجمع بين العود والناي والكمان والربابة، مع طبقات صوتية أخرى تبحث عن ملمس أكثر خشونة وواقعية من الصوت المصقول المعتاد.
يستحضر نياز في هذا السياق تجربة قديمة ارتبطت بأغنية" نوحي" للمطرب يوسف عمر، حيث استوقفه صوت آلة تشبه القانون لكنها تعزف بمطارق صغيرة تمنح نبرة حادة ومختلفة.
هذه الآلة المعروفة في المجر باسم" الشمبالون" وفي الهند باسم" السنطور"، يعيد ربطها بسياق أوسع، يرى فيه أن الموسيقى العراقية لم تكن يوما منغلقة، بل تعبر عن تداخل حضاري طويل امتد عبر قرون.
من هذا المنظور، يرفض نياز فكرة الهوية الموسيقية الصارمة.
فحضارات وادي الرافدين -كما يقول- لم تكن منغلقة على نفسها، بل كانت تستقبل التأثيرات المختلفة وتعيد إنتاجها بطابع محلي خاص.
ولهذا جاء توزيع" متى" مفتوحا على أكثر من طبقة صوتية، حتى إنه تعمّد إبقاء بعض الخشونة داخل التسجيل بدلا من السعي إلى صوت مثالي مصقول بالكامل.
ويكشف أن أحد المستمعين رأى في مقدمة الأغنية ملامح من موسيقى الريف الأمريكي، وهو ما لم يزعجه، بل اعتبره مؤشرا على نجاحه في الوصول إلى صوت طبيعي غير متكلف، يحتفظ بعفويته بدلا من أن يعاد تشكيله بشكل مفرط.
الكاسور العراقي و" ورشة" عام كاملعلى مستوى الإيقاع، أبرز نياز صوت الكاسور العراقي بوصفه عنصرا أساسيا في تأكيد الهوية العراقية، إلى جانب إيقاع المقسوم الذي يوضح أنه ليس حكرا على الموسيقى المصرية، بل حاضر أيضا في الموسيقى العراقية بصيغ مختلفة.
خلف هذا البناء الموسيقي كانت هناك تجربة عمل طويلة ومعقدة، يؤكد نياز أن" متى" استغرقت قرابة عام كامل من النقاشات اليومية والتجارب المستمرة مع كاظم الساهر.
الأغنية كانت تمر في كل مرة بمرحلة جديدة من التعديل وإعادة الفحص، في عملية لا تتوقف من التجريب وإعادة التشكيل.
يصف نياز هذه المرحلة بأنها" أشبه بورشة عمل مفتوحة"، تتبدل فيها الأفكار باستمرار إلى أن تصبح التفاصيل الصغيرة جزءا من بنية الأغنية النهائية.
بل يذهب أبعد من ذلك قائلا إنها كانت أشبه بـ" انشطار قنبلة": تتفتت فيها الأفكار لحظة بلحظة داخل الاستوديو، ثم يعاد جمع شظاياها واحدة تلو الأخرى في عملية دقيقة من التفكيك وإعادة التركيب حتى الوصول إلى الشكل النهائي.
ولا يخفي نياز إعجابه بدقة الساهر في العمل، مشيرا إلى أن ملاحظاته كانت حاسمة في كثير من التفاصيل، خصوصا في ما يتعلق بإبراز صوت الكاسور لتعزيز الهوية العراقية داخل الأغنية.
ويؤكد أن الساهر يعرف جيدا ما يريده وما ينتظره جمهوره، ويتعامل مع العمل بقلق إبداعي دائم ورغبة مستمرة في تطوير الشكل النهائي.
وتكتمل الصورة بحكاية طريفة تلخص روح التجربة، إذ يقول نياز إن كاظم الساهر خاطبه مازحا بعد الانتهاء من التوزيع: " يا أخي، أنت متأكد أنه ليست لديك أصول عراقية؟ لأن من يستمع إلى التوزيع يقول إن هذا الرجل لديه جذور عراقية بالتأكيد".
كاظم الساهر بين مشروعين وجدانيينمع صدور أولى أغنيات ألبوم الساهر العراقي" متى" و" إلا أجيبك"، لا تبدو عودته إلى اللون العراقي مجرد استعادة لمرحلة سابقة، بقدر ما تعيد إحياء إحساس قديم ارتبط بصوته منذ بداياته، وظل حاضرا في وعي الجمهور رغم تحوله لاحقا إلى مشروع القصيدة المغناة.
سؤال" هل يراهن كاظم الساهر على الحنين؟ " قد لا يكون دقيقا بقدر ما يعكس طريقة تلقي الجمهور لمسيرته.
فالعلاقة بين الساهر وجمهوره لم تستقر يوما على صورة واحدة، بل ظلت تتوزع بين أكثر من حضور متداخل.
هناك كاظم" القصيدة" الذي تكرّس بوصفه صوتا عربيا رصينا، و" سيد القصيدة المغناة" الذي لم يتعامل مع النص الشعري بوصفه قالبا نخبويا مغلقا، بل مساحة حية قابلة للحياة والانتشار ولمس المستمع البسيط، حتى حين تشتد كثافة اللغة الشعرية.
هذا التوازن الدقيق بين العمق والانتشار منحه قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، يمتد من المستمع الشعبي إلى الأكثر تطلبا، ولهذا لم يستطع أي صوت آخر أن ينافسه في فضاء القصيدة المغناة أو يقترب من منطقها، ليبقى" قيصرها" المتفرد حتى اليوم.
في المقابل، هناك كاظم" الأغنية العراقية" المرتبط ببداياته الأولى، الذي تشكّل في الذاكرة قبل أن يتوسع مشروعه لاحقا باتجاه القصيدة.
" عودة إلى العراقية".
ذاكرة لم تغببين هذين المشروعين يتشكل نوع من التلقي المزدوج: جمهور يرى في الساهر قيمة فنية ناضجة اكتملت مع القصيدة، وجمهور آخر يجد في صوته العراقي الأول قربا وجدانيا لا يمكن استبداله.
ومن هذا التداخل تحديدا، تبدو" العودة إلى العراقية" أكثر من مجرد انتقال في اللون أو اللغة، بل لحظة تعيد تحريك صورة فنية لم تختف، بل ظلت كامنة في الذاكرة، وتستعيد حضورها كلما استدعتها الأغنية.
لهذا لا تبدو هذه العودة حدثا عابرا بقدر ما هي استئناف لحضور لم ينقطع.
الأغنية العراقية لم تغب عن مشروع كاظم الساهر، بل كانت دائما الوجه الأكثر دفئا في صوته، تعود اليوم في صيغة جديدة، لا كاستجابة لحنين جامد إلى التسعينيات، بل بوصفها امتداد حياة لواحد من أهم مشاريعه الوجدانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك