من أشد ما يرهق القلب في هذه الحياة أن يقف طويلًا على أبواب الناس، يطرقها مرة بعد مرة، ويظن أن مزيدًا من الطرق سيمنحه مكانًا في القلوب.
وما علم أن القلوب التي فُتحت بالمحبة لا تحتاج إلى استئذان، وأن الأبواب التي أُغلقت بالجفاء لا تفتحها الأيدي المتعبة.
يخطئ البعض حين يظنون أن الإلحاح يصنع قربًا، وأن كثرة السؤال تخلق مودة، وأن الركض خلف الآخرين يضمن بقاءهم.
والحقيقة أن المشاعر الصادقة لا تُنتزع انتزاعًا، ولا تُستجدى استجداءً، بل تنبت كما تنبت الأزهار في أرض صالحة للحياة.
فالزهرة التي تحب الشمس تلتفت إليها كل صباح دون أن تناديها، والطير الذي يألف عشه يعود إليه ولو طاف الآفاق كلها.
وكذلك القلوب؛ فالقلب الذي يحبك سيبحث عنك وإن غبت، وسيشتاق إليك وإن طال البعد، وسيجعل لك مكانًا في أيامه مهما ازدحمت أشغاله.
أما العلاقات التي تحتاج في كل مرة إلى من يوقظها، ويجبرها على الاستمرار، ويمنحها من روحه أكثر مما تمنحه له، فهي علاقات تُتعب القلب أكثر مما تُسعده، وتستنزف المشاعر أكثر مما تغذيها.
وما الكرامة قسوة كما يظن البعض، بل هي معرفة الإنسان بقيمته.
أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يترك الباب الذي لم يُفتح له إلا من جهة واحدة.
فليس من الحكمة أن يظل المرء واقفًا تحت شجرة جافة ينتظر منها الثمر، ولا أن يقضي عمره يسكب ماء قلبه في أرض رفضت الحياة.
إن الود الحقيقي لا يحتاج إلى مطاردة، لأنه يسير نحوك كما تسير نحوه.
لا يجعلك في موضع المتسول للعاطفة، ولا يتركك حائرًا بين الحضور والغياب، ولا يضعك كل يوم أمام سؤال موجع: هل أنا مهم حقًا أم مجرد اسم عابر؟ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان مع الأيام أن بعض الغياب رحمة، وأن بعض المسافات نجاة، وأن التوقف عن الركض خلف الآخرين ليس خسارة، بل استرداد للنفس من طرقٍ أنهكتها الخيبة.
فلا تُكثروا الماء على الود اليابس، ولا تُهدروا أعماركم في استرضاء القلوب التي لا تعرف قيمتكم.
ازرعوا محبتكم حيث تجد تربةً طيبة، وامنحوها لمن يحفظها، واتركوا للغائب حق الغياب.
فإن كان الود صادقًا عاد إليكم من تلقاء نفسه، وإن كان زائفًا فلن تصنعه آلاف الرسائل ولا آلاف المحاولات.
وما أجمل أن يعيش الإنسان عزيز النفس، كريم القلب، يعطي بمحبة، ويتراجع بكرامة، مؤمنًا أن القلوب التي كُتبت لها المودة لا تفرقها المسافات، وأن المشاعر الحقيقية لا تحتاج إلى مطاردة، لأنها تعرف طريقها إلى أصحابها كما يعرف النور طريقه إلى النوافذ المفتوحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك