روسيا اليوم - مرتضى منصور يشن هجوما لاذعا على دعاة "الدعارة" والمخدرات في مصر التلفزيون العربي - بينهم عامل نظافة.. 3 شهداء في غارتين لجيش الاحتلال على قطاع غزة العربي الجديد - إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان رغم اتفاق إيران روسيا اليوم - الخارجية الروسية: نظام كييف سيدفع حتما الثمن لارتكابه جريمة ستاروبيلسك قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل الخلافات داخل إيران حقيقية أم جزء من إدارة معركة التفاوض مع أمريكا؟ Independent عربية - مقتل رئيس بلدية في جنوب المكسيك بـ"هجوم مسلح" قناة القاهرة الإخبارية - تطورات ميدانية متسارعة.. الاشتباكات تتواصل في جنوب لبنان والأنظار نحو التفاهمات الإقليمية روسيا اليوم - إيمبولو يسجل أول ضربة جزاء في مونديال 2026 في شباك قطر الجزيرة نت - السد يبحث عن مدرب جديد بعد انتهاء حقبة مانشيني قناة الغد - «ملابس نوم زوجته».. تميمة حظ غريبة لمدافع إسبانيا في كأس العالم
عامة

تسليع الثقافة فى زمن الرقمنة

الشروق
الشروق منذ 4 ساعات
1

فى عالم يتشابك فيه الجمال مع السلعة، والإبداع مع السوق، تبرز إشكالية «تسليع الثقافة» كإحدى أكثر القضايا إلحاحًا فى خطابنا المعاصر. وكما أشار الفيلسوف الألمانى ثيودور أدورنو فى نقده: «إن صناعة الثقافة ...

فى عالم يتشابك فيه الجمال مع السلعة، والإبداع مع السوق، تبرز إشكالية «تسليع الثقافة» كإحدى أكثر القضايا إلحاحًا فى خطابنا المعاصر.

وكما أشار الفيلسوف الألمانى ثيودور أدورنو فى نقده: «إن صناعة الثقافة لا تتكيف مع ردود فعل عملائها بقدر ما تزيفها» محذرًا من تحول الإبداع الإنسانى إلى مجرد آلة لإنتاج الربح.

أما الفيلسوف والتر بنيامين، فقد تنبأ فى مقاله الشهير «العمل الفنى فى عصر إعادة الإنتاج الميكانيكى» بفقدان العمل الفنى لـ«هالته» الأصلية عندما يتحول إلى سلعة قابلة للتكرار والنسخ.

وقد برز فى السنوات الأخيرة مصطلح «الاقتصاد الثقافى»، وهو فرع معرفى منبثق من علم الاقتصاد، يعنى بدراسة دورة حياة المنتجات الثقافية (سلعًا وخدمات) من حيث إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها.

ويستند هذا الحقل إلى المفاهيم والأدوات التحليلية الاقتصادية العامة، لكنه يوظفها بشكل يتلاءم مع الطبيعة الخاصة للثقافة ومفهومها المتفرد.

ويمثل الاقتصاد الثقافى اليوم نقطة التقاء حاسمة بين الجمال والحساب، حيث تترجم الرموز الفنية إلى مؤشرات نمو، والذائقة الإنسانية إلى بيانات قابلة للقياس.

وكما أشار الفيلسوف الألمانى ثيودور أدورنو، فإن صناعة الثقافة لا تلبى رغبات الجمهور بقدر ما تصنعها وتوجهها، ما يثير تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان الإبداع قادرًا على البقاء نقيًا فى ظل منطق السوق.

وقد أوضح مفكرو مدرسة فرانكفورت النقدية فى منتصف القرن العشرين هذه الإشكالية فى كتاب «جدل التنوير» فى عام 1944، حيث حذر هوركهايمر وأدورنو من تحول الثقافة إلى آلية للهيمنة الأيديولوجية، تنتج سلعًا نمطية تسوق للجماهير من أعلى إلى أسفل، فى نقيض للرؤية الماركسية التى تؤمن بانبثاق الوعى من القاعدة الشعبية.

وهذا التحول، كما يراه النقاد، يجعل الثقافة رهينة لآلية التسويق المتكرر الذى يشكل الذائقة ويوجهها نحو المنتجات الأكثر ربحية، على حساب العمق النقدى.

إن تحويل المنتج الثقافى إلى سلعة خاضعة لاستغلال الشركات التجارية يثير جدلًا حادًا حول مفهوم «تسليع الثقافة»، حيث يفقد العمل الفنى روحه الجمالية لمصلحة القالب النمطى.

ويشير الدكتور عبدالله بن محمد الحميد إلى أن السعى وراء الربح يطغى أحيانًا على الإبداع، فيتحول المنتج إلى بضاعة شعبية تنتج فى خطوط متماثلة، تشبه ما حدث للوحات الفنية الأصلية التى حلت محلها ملايين النسخ المستنسخة تجاريًا.

وهذه الظاهرة لا تعكس مجرد تغيير فى نمط الاستهلاك بل تحولًا جوهريًا فى علاقة المجتمع بالرمز والقيمة، وهو ما يعيد إنتاج أسئلة فلسفية حول أصالة التجربة الجمالية.

ويؤكد الفيلسوف الفرنسى جان بودريار أن المجتمع الاستهلاكى يحول كل شىء إلى إشارات قابلة للتبادل، بما فى ذلك المعنى الفنى والذاكرة الجماعية.

وتوضح الدراسات أن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم حاليًا بنسبة 3.

1% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، مع توقعات بأن تتجاوز 4.

5% بحلول عام 2030، وفقا لتقارير اليونسكو والبنك الدولى لعام 2024.

وهذه الأرقام تؤكد تحول الثقافة من نشاط هامشى إلى محرك اقتصادى استراتيجى.

وعلى الرغم من هذا النمو المطرد، يرى الفيلسوف البريطانى مارك فيشر أن الرأسمالية المتأخرة تفرغ الثقافة من مضمونها النقدى، وتحولها إلى خلفية ترفيهية لآلة الإنتاج، وهو ما يتجلى بوضوح فى سيطرة الخوارزميات الرقمية على توزيع المحتوى الفنى.

وتشير دراسة صادرة عن «معهد بروكينجز» فى عام 2025 إلى أن 68% من المحتوى الثقافى الرقمى العالمى خاضع لآليات ترشيح تجارية تهدف إلى تعظيم وقت المشاهدة بدلًا من تعزيز القيمة الجمالية، ما يعكس توترًا مستمرًا بين الكفاءة السوقية والأصالة الفنية.

لم تكن ظاهرة دمج الفن بالسوق وليدة العصر الرقمى، بل لها جذور تاريخية عميقة تعكس تفاعل المبدع مع متطلبات العيش.

فقد أسس الرسام الهولندى رامبرانت فى القرن السابع عشر مشغلا تجاريا لبيع أعماله وأعمال زملائه، بينما وظف روبينز مساعدين فى مرسمه لرسم الخلفيات ومزج الألوان، وفتح أبواب ورشته للجمهور مقابل رسوم دخول.

وهذه الممارسات التاريخية تظهر أن المبدع لم يكن منعزلا عن السوق، بل حاول دائما التوفيق بين الاستقلالية الفنية والاستدامة المعيشية، وهو ما يثبت أن الاقتصاد والإبداع تقاطعا تاريخيا قبل ظهور المصطلحات الحديثة.

ولم يعد المبدع يتعامل مع سوق محدود، بل مع منظومة رقمية عالمية تعيد صوغ الذائقة بسرعة فائقة.

ويشير عالم الاجتماع الفرنسى بيار بورديو إلى أن رأس المال الثقافى لم يعد حكرًا على النخبة، بل صار سلعة تنتج وتستهلك بكميات هائلة، ما يعيد إنتاج التمايزات الطبقية بأشكال جديدة، ووجود تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل مشهد العمل الإبداعى.

ويرتبط هذا التحول الجوهرى بمرحلة ما بعد الحداثة التى نشأت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، ورفضت السرديات الكبرى التقليدية فى التذوق الفنى؛ إذ أدى انتشار الراديو والتلفاز ثم المنصات الرقمية إلى طمس الحدود بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة، وهو ما رآه نقاد كثيرون شكلًا من أشكال الابتذال المنظم.

وتوضح دراسة منشورة فى مجلة Culture,Society & Economy فى العام 2023 أن 72% من المستهلكين فى الأسواق الناشئة يفضلون المنتجات الثقافية السريعة الاستهلاك على الأعمال العميقة، ما يعكس تحولًا فى أولويات التلقى الفنى وعلاقته بإيقاع الحياة المعاصرة.

ولا يمكن إنكار الدور التنموى للصناعات الثقافية، بخاصة فى ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التى تضرب القطاعات التقليدية.

فبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) لعام 2025، حققت الصادرات العالمية للسلع والخدمات الإبداعية نموًا بنسبة 5.

8% سنويًا، متفوقة على متوسط النمو العالمى؛ فهذه الصناعات صارت مصدر دخل لملايين العاملين داخل القطاع وخارجه، ما يعزز فكرة أن تصنيع الثقافة ليس شرًا مطلقًا بل ضرورة اقتصادية معاصرة تستدعى إدارة واعية.

لكن السؤال المركزى يبقى: كيف نحافظ على القيمة غير المادية للثقافة فى ظل طغيان المؤشرات الكمية؟ يجيب الفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس بأن العقلانية الأداتية لا يجب أن تطغى على العقلانية التواصلية التى تحافظ على المعنى الإنسانى المشترك، وهو ما يستدعى سياسات ثقافية توازن بين السوق والهوية.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا مع دخول الذكاء الاصطناعى بقوة إلى ساحة الإنتاج الثقافى، حيث باتت الآلات قادرة على كتابة النصوص، وتلحين الموسيقى، ورسم اللوحات، بل وبيعها كمنتجات مستقلة.

ويحذر الفيلسوف الكندى تشارلز تايلور من أن عندما تفقد الثقافة مصدرها الإنسانى المباشر، تتحول إلى صدأ تقنى يعيد إنتاج الفراغ بدلًا من المعنى، وهو تحذير يكتسب راهنية كبيرة فى عصر الخوارزميات التوليدية التى تختبر حدود الإبداع البشرى.

ومع ذلك، تظل الثقافة البشرية قادرة على التكيف وإعادة تعريف ذاتها، كما حدث عبر التحولات التقنية الكبرى فى التاريخ.

ويؤكد الدكتور الحميد أن الصناعات الثقافية ستظل محركًا للنمو، شريطة أن تصمم سياساتها لحماية التنوع الجمالى ومنع احتكار الذائقة من قبل كيانات تجارية ضيقة، ما يضمن استدامة القطاع على المدى البعيد.

إن مستقبل الاقتصاد الثقافى لا يكمن فى رفض السوق أو تقديس الربح، بل فى إعادة صوغ العقد بين المبدع والمجتمع والدولة.

وكما لاحظ المفكر المغربى عبدالله العروى، فإن الثقافة لا تموت عندما تباع، بل عندما تفقد قدرتها على طرح الأسئلة، ما يعنى أن التحدى الحقيقى هو ضمان بقاء المنتج الثقافى حاملًا لرسالة نقدية وإنسانية، على الرغم من ضغط المؤشرات المالية.

وتبقى الأرقام والدراسات دليلًا على أن القطاع فى نمو مطرد، لكن القيمة الحقيقية تقاس بعمق التأثير لا بحجم المبيعات فقط، وهو ما يستدعى وعيًا مؤسسيًا وفلسفيًا متجددًا.

ختامًا، يظل الجدل حول تسليع الثقافة جدلًا خصيبًا يعكس صراعًا أعمق بين قيمتين إنسانيتين: الحاجة إلى العيش الكريم عبر الإبداع، والرغبة فى الحفاظ على نقاء التجربة الجمالية؛ ولم تعد الثقافة ترفًا فكريًا بل بنية تحتية معرفية واقتصادية.

إن إدارة هذا التحول بحكمة تتطلب وعيًا فلسفيًا ورقابة مؤسسية، لضمان أن يظل الفن مرآة للإنسان، وليس سلعة تستهلك وتنسى، فى عالم يتسارع نحو الرقمنة والربح معًا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك