70% من دول العالم تستخدم أنظمة رقمية تعتمد على تحليل البيانات فى الخدمات الحكوميةزيادة عدد اللاجئين يضع الأنظمة التقليدية تحت ضغوط هائلةتراجع المعايير الإنسانية بعد إبعاد التدخل البشرىالخوارزميات «قاضٍ صامت» فى قرارات اللجوءخبراء يحذرون من الاعتماد الكامل على الأنظمة الرقميةالأتمتة المتسارعة تفتح النقاش حول حدود الاعتماد على الخوارزميات فى قضايا تمس الملايينالقبول أو الرفض بيد «آلة».
الإنسان خارج المعادلةوالتحول الرقمى قد يتعارض مع العدالة ويصنف البشر دون تفسير واضحأنظمة الذكاء الاصطناعى تعزز كفاءة الفحص الأمنى وتعمل على تسريع الإجراءات وتقليل التكدسلم يعرف محمود.
ص سبب رفض طلبه للجوء، رغم اكتمال أوراقه وهدوء المقابلة التى خضع لها، فقد جاءه القرار حاسمًا: مرفوض.
لكن، ما لم يكن يعلمه، أن هذا القرار ربما لم يصدر عن موظف بشرى، بل عن خوارزمية مدرَّبة على ملايين البيانات، قادرة على تصنيف البشر إلى «مقبول» أو «مرفوض» دون تفسير واضح.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل مدخل لفهم تحولات عميقة يشهدها العالم، حيث أصبح الذكاء الاصطناعى لاعبًا مباشرًا فى أحد أكثر الملفات حساسية وهو «الهجرة واللجوء».
بحسب تقديرات منظمة الهجرة الدولية، يتجاوز عدد المهاجرين حول العالم حاليًا 282 مليون مهاجر، فى وقت تتصاعد فيه الأزمات الجيوسياسية والتغيرات المناخية والصراعات المسلحة، ما يضع أنظمة الهجرة التقليدية تحت ضغوط غير مسبوقة.
وقد شهدت حركة الهجرة واللجوء نموًا متسارعًا خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفع عدد المهاجرين الدوليين من نحو 150 مليون شخص عام 2000 إلى أكثر من 282 مليونًا فى عام 2024، فيما تضاعفت أعداد اللاجئين والنازحين داخليًا عدة مرات خلال الفترة نفسها، ولم يعد هذا النمو المتسارع مجرد مؤشر ديموجرافى، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التى تواجه الحكومات والمنظمات الدولية فى إدارة تدفقات بشرية متزايدة التعقيد.
ويعكس هذا التصاعد المستمر حجم الضغوط الواقعة على أنظمة الهجرة واللجوء، فى ظل صعوبة متزايدة تواجهها المؤسسات الحكومية فى معالجة ملايين الطلبات والبيانات المرتبطة بحركة التنقل عبر الحدود، الأمر الذى دفع العديد من الدول إلى البحث عن أدوات أكثر سرعة وكفاءة لإدارة هذه الملفات.
وفى هذا السياق، تشير دراسات صادرة عن المركز الدولى للابتكار فى التعليم العالى «IIOE» التابع لمنظمة اليونسكو إلى أن عددًا متزايدًا من الحكومات اتجه إلى توظيف تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعى فى إدارة الملفات المعقدة، وعلى رأسها الهجرة واللجوء، بهدف تسريع الإجراءات وخفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية.
ومع تضخم حركة التنقل البشرى عالميًا، لم تعد الأساليب التقليدية قادرة على التعامل مع الكم الهائل من البيانات المرتبطة بالمهاجرين وطالبى اللجوء، ما دفع العديد من الحكومات إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لتحليل سجلات الحدود والتأشيرات وملفات اللجوء والبيانات الديموغرافية، ورصد أنماط الهجرة والتنبؤ بموجات النزوح المحتملة، وصولًا إلى دعم عمليات التقييم واتخاذ القرار.
غير أن هذا التحول الرقمى المتسارع فتح فى المقابل بابًا واسعًا للنقاش حول العدالة والشفافية وحدود الاعتماد على الخوارزميات فى قضايا تمس مصير ملايين البشر.
إدارة الهجرة بالخوارزمياتتشير بيانات دولية إلى أن أكثر من 70% من دول العالم تستخدم أنظمة رقمية تعتمد على تحليل البيانات فى الخدمات الحكومية، بما فى ذلك، إدارة الهجرة.
وتعتمد هذه التحولات على مستويات متفاوتة من الدمج بين التحليل البشرى والخوارزمى وفقًا لطبيعة كل نظام هجرة.
على سبيل المثال، فى كندا، تُستخدم أنظمة «دعم القرار الذكى» فى فرز طلبات الهجرة مبدئيًا عبر تحليل التعليم والخبرة والسجل الأمنى، بينما يظل القرار النهائى بيد موظف بشرى، رغم أن ترتيب الأولويات يتأثر بشكل واضح بنتائج الخوارزميات.
أما فى المملكة المتحدة، فطورت السلطات أدوات لتقييم المخاطر تعتمد على أنماط السفر وسلوك الطلبات السابقة، بهدف تقدير احتمالات القبول أو الرفض، وسط تحذيرات من احتمالية تأثر بعض المؤشرات بانحيازات غير مباشرة.
وفى أستراليا، يتجه النظام إلى مستوى أعلى من الأتمتة، حيث تُستخدم الخوارزميات فى مراقبة الحدود وتحليل بيانات التأشيرات، ضمن ما يُعرف بإدارة الحدود الرقمية التى تركز على تقييم المخاطر قبل الدخول.
وفى ألمانيا، يُستخدم الذكاء الاصطناعى لتسريع معالجة الملفات، خاصة فى فترات الضغط المرتفع، مع الإبقاء على القرار النهائى بيد الإنسان لتجنب اختزال الحالات الإنسانية فى بيانات رقمية فقط.
لكن، فى هولندا، كشفت أزمة «خوارزميات كشف الاحتيال» التى حدثت عام 2021 عن مخاطر الاعتماد غير المدقق على الأنظمة الرقمية، بعدما تم تصنيف آلاف الأسر كمشتبه فيهم بناءً على أنماط بيانات غير دقيقة، ما أدى إلى أزمة سياسية واسعة.
أما فى الولايات المتحدة، فتشير تحليلات قانونية إلى أن الإشكال لا يرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعى بحد ذاته، بل بدرجة الشفافية فى هذه الأنظمة، حيث تعتمد بعض مراحل المعالجة على أدوات تحليل بيانات تختلف مستويات الشفافية فى آليات عملها، ما قد يجعل فهم كيفية اتخاذ القرار أو مراجعته أكثر تعقيدًا فى بعض الحالات.
وبتحليل أنظمة الهجرة الرقمية عالميًا، وفقًا لدراسات التحليل المقارن، يمكننا تصنيف نماذج الدول السابقة إلى ثلاث فئات رئيسية، هى:1 - النموذج الإنسانى «نسبيًا»، ويتمثل فى تجربتى كندا وألمانيا، حيث تظل الخوارزميات بهذه الدول أدوات مساعدة مع احتفاظ الإنسان بالقرار النهائى.
2 - النموذج الهجين القائم على المخاطر، كما يتضح فى تجربتى «المملكة المتحدة وأستراليا»، حيث تتوسع النظم الرقمية بتلك التجارب فى التقييم وتزداد قدرتها التأثيرية فى القرار.
3 - النموذج الغامض، ويمثله الولايات المتحدة، وتجربة هولندا السابقة فى عام 2021، وهو النموذج الذى تتراجع به الشفافية ويصعب تفسير القرار أو الطعن عليه، مع ارتفاع مخاطر التحيز.
هذا التباين بين النماذج الدولية لم يكن معزولًا عن مسار أوسع من التحول فى أنظمة الهجرة عالميًا.
التحول الرقمى يغير قواعد الهجرةوبالعودة إلى تطور أنظمة الهجرة عالميًا، يتضح أن الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعى لم يكن نقطة البداية، بل جاء بعد سنوات من الضغوط المتزايدة على أنظمة الهجرة التقليدية، فحتى عامى 2018 و2019 تقريبًا، كانت غالبية طلبات اللجوء والهجرة تُراجع عبر موظفين وقضاة وفرق بشرية، مع استخدام محدود للأدوات الرقمية.
وخلال تلك الفترة، استمرت أعداد المهاجرين فى الارتفاع داخل دول الاستقبال الكبرى، ففى كندا ارتفع عدد المهاجرين الدائمين من نحو 227 ألف مهاجر عام 2000 إلى أكثر من 341 ألفًا فى 2019، كما قفزت طلبات اللجوء من نحو 16 ألف طلب عام 2015 إلى أكثر من 64 ألفًا فى 2019، بينما حافظت الولايات المتحدة خلال أغلب سنوات العقد الأخير قبل الجائحة على استقبال ما يقارب مليون مهاجر دائم سنويًا.
ومع تراكم الطلبات وتصاعد موجات النزوح والهجرة، بدأت الحكومات منذ 2018 و2019 فى إدخال الخوارزميات الرقمية وأدوات تحليل المخاطر داخل منظومات الهجرة، إلا أن التحول الأكبر جاء بعد جائحة كورونا، عندما واجهت الدول ملايين الطلبات المؤجلة وضغوطًا تشغيلية غير مسبوقة.
وفى كندا تحديدًا، ارتفع عدد المهاجرين الدائمين من نحو 184 ألفًا فقط خلال 2020 إلى أكثر من 405 آلاف فى 2021، ثم 437 ألفًا فى 2022، وتجاوز 471 ألفًا فى 2023، بالتزامن مع توسع الاعتماد على الأنظمة الذكية فى فرز الملفات وتحليل المخاطر وتسريع المعالجة، كما توسعت الولايات المتحدة هى الأخرى فى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى الفحص الأمنى وإدارة الملفات ومراقبة الحدود بعد الجائحة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الذكاء الاصطناعى لم يُستخدم أساسًا لتقليل أعداد المهاجرين، ولم تُظهر البيانات المتاحة تأثيرًا مباشرًا له على إجمالى أعداد المهاجرين، بقدر ما استُخدم لإدارة التدفقات البشرية بصورة أسرع وأكثر كفاءة، من خلال تسريع معالجة الملفات وتقليل التكدس وتعزيز الفحص الأمنى واكتشاف الاحتيال.
لكن هذا التحول أثار فى المقابل جدلًا واسعًا حول عدالة وشفافية القرارات الخوارزمية، خاصة بعد انتقادات وُجهت لبعض الأنظمة الرقمية المستخدمة فى إدارة الهجرة واللجوء، من بينها تطبيق CBP One فى الولايات المتحدة، الذى واجه انتقادات تتعلق بأداء تقنيات التعرف على الوجه مع أصحاب البشرة الداكنة وبعض المتقدمين من أصول أفريقية.
فى الوقت ذاته، حذرت دراسات قانونية وحقوقية من أن اعتماد النظم الرقمية على بيانات تاريخية غير متوازنة قد يؤدى إلى إعادة إنتاج أنماط من التحيز تجاه بعض الجنسيات أو الفئات الأكثر عرضة للتدقيق الأمنى، وهو ما فتح نقاشًا عالميًا متزايدًا حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى ملفات تمس مصير ملايين المهاجرين واللاجئين حول العالم.
سباق عالمى على جذب العقولولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعى على فرز طلبات اللجوء أو مراقبة الحدود فقط، بل يمتد إلى قياس قدرة الدول على جذب الكفاءات والمهارات البشرية أيضًا، وتعتمد نماذج تحليلية حديثة على مؤشرات تشمل جودة التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية وفرص العمل ومستويات الابتكار والاستقرار الاقتصادى لتقييم جاذبية الدول للمواهب، حيث يعكس ذلك تحول الهجرة من مجرد حركة انتقال للأفراد إلى منافسة دولية متزايدة على استقطاب رأس المال البشرى.
خبراء التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولا بديل عن الإنسانومع هذا التوسع فى توظيف الذكاء الاصطناعى لتحليل مؤشرات الهجرة وجذب الكفاءات، تبرز تساؤلات حول حدود دوره الفعلى فى صناعة القرار ومدى استقلاليته عن التدخل البشرى، فما زال الجدل قائمًا حول طبيعة الدور الذى يلعبه الذكاء الاصطناعى فى هذه المنظومة.
وفى هذا السياق، يقول الدكتور عمر السيد، خبير الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات، إن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى ملفات الهجرة واللجوء لا يعنى بالضرورة اتخاذ القرار النهائى بصورة آلية، إذ تعتمد معظم النماذج الحالية على أنظمة «دعم القرار» التى تقوم بترتيب الطلبات أو تقييم المخاطر استنادًا إلى قواعد بيانات ضخمة ومؤشرات متعددة.
وأوضح السيد فى تصريحات لـ«اليوم السابع» أن قوة هذه الأنظمة تكمن فى قدرتها على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة كبيرة، بما يسهم فى تقليل التحيز البشرى المباشر فى بعض مراحل الفرز الأولى، إلا أنها تظل مرتبطة بجودة البيانات التى تُغذّى بها، ما يعنى أن أى نقص أو خلل أو انحياز تاريخى فى تلك البيانات قد ينعكس على نتائج التقييم.
وأشار السيد إلى أن أحد أبرز التحديات التقنية يتمثل فيما يعرف بـ«قابلية التفسير»، حيث تعمل بعض النماذج المتقدمة باعتبارها «صندوقًا أسود» يصعب تتبع الكيفية التى توصلت بها إلى نتيجة معينة، وهو ما يثير تساؤلات مهمة عند مراجعة القرارات أو الاعتراض عليها.
وأكد السيد أن هذه الأنظمة لم تُصمم لاستبدال العنصر البشرى، بل لدعمه فى اتخاذ القرار، لافتًا إلى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى التكنولوجيا ذاتها، وإنما فى كيفية دمجها داخل منظومات حساسة مثل الهجرة واللجوء، بما يحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية التى توفرها الخوارزميات وضمانات العدالة والشفافية وحماية حقوق الأفراد.
فيما أكد محمد عسكر، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمى، أن التوسع العالمى فى استخدام الذكاء الاصطناعى داخل منظومات الهجرة واللجوء يعكس قدرة هذه التقنيات على تحليل كميات هائلة من البيانات خلال فترات زمنية قصيرة، بما يساعد الجهات المختصة على تسريع إجراءات الفحص والتقييم الأولى للطلبات، لكنه شدد على أن هذه المزايا لا تعنى إمكانية الاستغناء عن العنصر البشرى فى اتخاذ القرارات النهائية.
وأوضح عسكر فى تصريحات سابقة، أن أنظمة الذكاء الاصطناعى تعتمد فى الأساس على البيانات التى يتم تدريبها عليها، وبالتالى فإن جودة البيانات ودقتها وتنوعها تمثل عاملًا حاسمًا فى سلامة النتائج التى تنتجها الخوارزميات، محذرًا من أن أى تحيزات أو أخطاء متراكمة داخل قواعد البيانات قد تنعكس بصورة مباشرة على مخرجات النظام.
وأضاف عسكر أن الاعتماد الكامل على نتائج الخوارزميات دون مراجعة بشرية قد يخلق إشكاليات تتعلق بالدقة والعدالة، خاصة فى الملفات الإنسانية المعقدة التى تتداخل فيها اعتبارات قانونية واجتماعية وأمنية يصعب اختزالها فى نماذج رقمية فقط، مؤكدًا أن دور التكنولوجيا يجب أن يظل فى إطار دعم متخذ القرار لا استبداله.
كما شدد على أهمية وجود آليات مستمرة للمراجعة والتدقيق وقياس الأداء، بما يضمن اكتشاف أى انحرافات أو أخطاء قد تؤثر على حقوق الأفراد، مؤكدًا أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مجالات حساسة مثل الهجرة واللجوء يرتبط بقدرة الدول على تحقيق التوازن بين الكفاءة التى توفرها التكنولوجيا ومبادئ الشفافية والمساءلة والإشراف البشرى الفعّال.
ومع توسع هذا التحول، برزت تساؤلات قانونية وحقوقية حول حدود استخدام هذه التقنيات، حيث أصبحت المخاوف لا تقتصر على الجوانب التقنية فقط، بل امتدت إلى المجال القانونى والحقوقى أيضًا، ففى مارس 2026، نشرت منظمة Open Rights Group البريطانية على موقعها الرسمى، رأيًا قانونيًا أعده محاميان من مؤسسة Cloisters Chambers، بمشاركة من مؤسسةDoughty Street Chambers.
حذّر الرأى القانونى، من أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى تقييم طلبات اللجوء دون إبلاغ المتقدمين أو تمكينهم من فهم آلية اتخاذ القرار والطعن عليه، قد يتعارض مع مبادئ العدالة الإجرائية وحقوق الإنسان، ويكتسب هذا الرأى أهمية خاصة لأنه يتناول استخدام الذكاء الاصطناعى داخل ملفات اللجوء تحديدًا، وهى من أكثر الملفات ارتباطًا بحقوق الإنسان والحماية الدولية.
كما أشار الرأى القانونى، إلى أن الاعتماد على الملخصات أو التقييمات المولدة آليًا قد يؤدى إلى إغفال معلومات جوهرية أو إعادة إنتاج تحيزات كامنة فى البيانات المستخدمة لتدريب الأنظمة، ما يثير تساؤلات متزايدة حول حدود الاعتماد على الخوارزميات فى ملفات ترتبط مباشرة بمصير الإنسان ومستقبله.
ولم تقتصر التحذيرات على المنظمات الحقوقية، بل امتدت إلى خبراء القانون الدولى الذين يرون أن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات يثير أسئلة قانونية معقدة بشأن المسؤولية والشفافية.
فبينما ترى الحكومات أن الذكاء الاصطناعى وسيلة لتسريع إجراءات اللجوء وتقليل الأعباء الإدارية، يحذر خبراء القانون الدولى من أن منح الخوارزميات دورًا متزايدًا فى تقرير مصير البشر قد يخلق إشكاليات قانونية وحقوقية غير مسبوقة.
الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولى العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولى، حذر من أن التوسع المتسارع فى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعى لتقييم طلبات اللجوء والهجرة يطرح تحديات قانونية تمس جوهر حقوق الإنسان وضمانات العدالة الإجرائية.
وأشار، فى تصريحات لـ«اليوم السابع»، إلى أن الاتحاد الأوروبى صنّف الأنظمة المستخدمة فى ملفات الهجرة واللجوء ضمن فئة «الأنظمة عالية المخاطر» بموجب قانون الذكاء الاصطناعى الأوروبى، وهو ما يعكس حجم التأثير المباشر لهذه الأنظمة على مصير الأفراد.
وأوضح مهران أن إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل فيما يُعرف بـ«الصندوق الأسود» للخوارزميات، حيث تصدر بعض الأنظمة توصيات أو تقييمات يصعب تفسير الأسس التى بُنيت عليها، الأمر الذى يثير تساؤلات بشأن حق طالب اللجوء فى معرفة أسباب القرار والطعن عليه بصورة فعالة.
كما حذر من مخاطر التحيز الخوارزمى الناتج عن الاعتماد على بيانات تاريخية قد تتضمن أنماطًا سابقة من التمييز، بما قد ينعكس على عدالة القرارات الصادرة.
وأكد أن المسؤولية القانونية تظل فى جميع الأحوال على عاتق الدولة، حتى إذا استند القرار إلى تقييم أو توصية صادرة عن نظام ذكاء اصطناعى، موضحًا أن القانون الدولى لا يجيز التنصل من المسؤولية بحجة الاعتماد على أدوات تقنية.
وأضاف أن الخطورة تزداد عندما يتعلق الأمر بقرارات الترحيل أو رفض اللجوء، إذ قد تؤدى الأخطاء الخوارزمية إلى تعريض أشخاص لخطر الاضطهاد أو التهديد فى بلدانهم الأصلية، بما يمثل مساسًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه فى اتفاقية اللاجئين لعام 1951.
وشدد مهران على أن الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعى يجب ألا تكون على حساب الضمانات القانونية الأساسية، داعيًا إلى الإبقاء على رقابة بشرية حقيقية على القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة، وتوفير آليات شفافة للمراجعة والطعن، إلى جانب العمل على وضع إطار دولى أكثر وضوحًا ينظم استخدام هذه التقنيات فى الملفات المرتبطة بحركة البشر عبر الحدود.
وفى السياق ذاته، يرى الدكتور محمد محفوظ، الخبير القانونى الدولى، أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعى فى تقييم طلبات اللجوء والهجرة يثير تساؤلات جوهرية بشأن الشفافية الإجرائية، إذ أن بعض الخوارزميات تعتمد على آليات معقدة لا تتيح لطالب اللجوء فهم الأسس التى استند إليها القرار أو التحقق من سلامة البيانات المستخدمة فى تقييم حالته، وهو ما قد يحد من فاعلية حق الطعن والمراجعة.
وأكد محفوظ فى تصريحات لـ«اليوم السابع»، أن المسؤولية القانونية لا يمكن أن تُنسب إلى الخوارزمية ذاتها، بل تظل مسؤولية الدولة قائمة باعتبارها الجهة التى تعتمد هذه الأنظمة وتشرف على تشغيلها، مشيرًا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعى لا يعفى الحكومات من التزاماتها القانونية المتعلقة بالعدالة والشفافية وحماية حقوق الإنسان.
وشدد على أهمية وضع ضوابط قانونية واضحة تضمن بقاء القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة خاضعة لإشراف بشرى فعّال وقابلة للتفسير والمراجعة، بما يحقق التوازن بين التطور التقنى والضمانات الحقوقية الأساسية.
الوجه الآخر للذكاء الاصطناعىأما فى مصر، فجهاز التعبئة العامة والإحصاء، فجر مفاجآت فى دراسة حديثة بعنوان «أبعاد جديدة لدور التكنولوجيا فى فهم وإدارة حركة الهجرة عالميًا»، حيث أوضحت الدراسة أن استخدام الذكاء الاصطناعى فى إدارة الهجرة يواجه مجموعة من التحديات المعقدة، تمثل أبرزها فى، قضية الخصوصية الناتجة عن الاعتماد على بيانات حساسة، إلى جانب احتمالات التحيز الخوارزمى المرتبط بجودة بيانات التدريب، كما حذرت من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يؤدى إلى تراجع البعد الإنسانى فى اتخاذ القرار.
وأضافت الدراسة أن هناك تحديات تقنية تتعلق بعدم اكتمال البيانات أو ضعف جودتها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والتطوير والصيانة، ما يشكل عبئًا على الدول النامية بشكل خاص، كما تشير إلى أبعاد اجتماعية وسياسية، حيث يمكن أن يؤدى استخدام بيانات تاريخية منحازة إلى تعزيز التمييز أو استخدام التكنولوجيا لتبرير قرارات أكثر تشددًا فى ملف الهجرة.
مصر والتحول نحو الذكاء الاصطناعىوفى سياق التحول الرقمى الوطنى، أشارت بيانات رسمية صادرة عن جهاز الإحصاء، إلى أن مصر تتحرك ضمن استراتيجيتها للذكاء الاصطناعى 2025–2030، إلى تحسين مراكزها فى كل مؤشرات الذكاء الاصطناعى، حيث أظهرت الدراسة ارتفاع ركيزة الحوكمة الرقمية من 62.
4 إلى 69 نقطة، ما يعكس تحسن الأطر التنظيمية والسياسات.
كما ارتفعت ركيزة البنية التحتية والبيانات من 48.
6 إلى 55.
8 نقطة، بما يشير إلى توسع قواعد البيانات القابلة للتحليل، فى حين ارتفعت ركيزة التكنولوجيا والابتكار من 35.
6 إلى 42.
1 نقطة، لكنها ما تزال الأضعف مقارنة بالمحاور الأخرى.
أما على المستوى العربى، فأشارت تحليلات منظمة الهجرة الدولية إلى أن التأثير يكون أكثر تعقيدًا، فغالبًا ما تُعالج طلبات المهاجرين العرب داخل أنظمة تعتمد على بيانات غير مكتملة أو مؤشرات لا تعكس الواقع الاجتماعى والسياسى بدقة، خاصة فى مناطق النزاع.
كما أن محدودية الشفافية فى بعض الأنظمة تجعل من الصعب فهم أسباب الرفض أو تحسين الملف ما يجعل فهم آلية اتخاذ القرار أو الطعن عليه تحديًا متزايدًا أمام بعض المتقدمين بطلبات الهجرة واللجوء، فى ظل تباين مستويات الشفافية بين الأنظمة المختلفة واعتماد بعضها على أدوات تحليل متقدمة لا تكون تفاصيل عملها واضحة بالكامل للمستخدم أو حتى لصانع القرار فى بعض الحالات.
وبينما تتباين النماذج الدولية فى درجة الاعتماد على الخوارزميات، تتفق غالبية الدراسات والنقاشات الأكاديمية المتخصصة على أن الذكاء الاصطناعى، رغم قدرته على تسريع الإجراءات وتحليل البيانات، لا يمكن أن يحل محل التقدير الإنسانى الكامل فى ملفات اللجوء والهجرة، نظرًا لما تنطوى عليه من اعتبارات إنسانية وقانونية معقدة.
وفى إطار مواجهة هذه التحديات، دعت دراسة الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أيضًا، إلى تبنى مجموعة من السياسات الكفيلة بضبط هذا التحول، من بينها تعزيز الشفافية فى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإتاحة حق الطعن على القرارات، ومراجعة البيانات المستخدمة لضمان خلوها من التحيز، إلى جانب وضع إطار قانونى وأخلاقى ينظم استخدام هذه التقنيات.
كما أكدت الدراسة أهمية التعاون الدولى وإشراك المجتمع المدنى والخبراء لضمان بقاء هذه الأنظمة تحت رقابة متعددة المستويات.
وربما لم يعرف محمود.
ص حتى اليوم لماذا رُفض طلبه، وربما لن يعرف أبدًا ما إذا كان القرار قد صدر عن موظف هجرة أم عن خوارزمية حللت بياناته وأدرجته ضمن فئة لا تستوفى شروط القبول، لكن قصته تعكس واقعًا جديدًا يتشكل تدريجيًا حول العالم، لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت طرفًا مؤثرًا فى قرارات تمس مصير ملايين البشر.
صحيح أن أنظمة الذكاء الاصطناعى قادرة على تحليل ملايين البيانات فى ثوانٍ، وتسريع الإجراءات، وتقليل التكدس، وتعزيز كفاءة الفحص الأمنى، لكنها لا تستطيع أن تدرك معنى الخوف من الحرب، أو قسوة النزوح، أو تعقيدات التجارب الإنسانية التى تقف خلف كل طلب لجوء، فخلف كل ملف إلكترونى إنسان يحمل قصة مختلفة لا يمكن اختزالها بالكامل فى أرقام ومؤشرات وخوارزميات.
وبينما تتسابق الحكومات لبناء أنظمة هجرة أكثر سرعة وكفاءة، يبقى التحدى الأكبر هو تحقيق التوازن بين الكفاءة الرقمية والعدالة الإنسانية، وبين قدرة الآلة على المعالجة السريعة وحق الإنسان فى الفهم والتفسير والطعن.
السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعى سيشارك فى رسم مستقبل الهجرة، بل كيف يمكن ضمان ألا يتحول القرار الخوارزمى إلى حكم نهائى على حياة البشر، فإذا كانت الخوارزميات تراقب البشر وتقيّمهم وتقرر مصيرهم، فمن يراقب الخوارزمية نفسها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك