بداية، ونحن نحتفل بكل اعتزاز بالذكرى الثامنة والعشرين لعيد الجلوس الملكي وبيوم الجيش العربي والثورة العربية الكبرى، لا بد من التأكيد على أن الأردن منذ اليوم الأول لقيام الدولة الأردنية كان وطنيًا عروبيًا إنسانيًا إلى أقصى درجة، وفتح ذراعيه لاستقبال الوافدين مهما كانت ظروف وفودهم ابتداءً من الهجرات التي فرضتها الأحداث السياسية، وانتهاءً بالعمالة الوافدة (مع الاحترام) التي تطلبتها مسيرة التنمية والبناء في الأردن، والتي لم تتوقف ليوم واحد رغم الظروف المعقدة التي سيطرت على المنطقة العربية منذ مائة عام حتى اليوم.
اضافة اعلانمن جانب آخر فإن وجود عمالة وافدة تعمل جنبًا إلى جنب مع العمالة الوطنية ظاهرة طبيعية وصحية وموجودة في معظم دول العالم.
لكن الإشكال الذي تنامى لدينا حين ارتفعت الأرقام واختل التوازن بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة والبطالة.
فوجود ما يقرب من 1.
5 مليون يد عاملة وافدة ومهاجرة من 24 جنسية مختلفة مقابل 2.
1 مليون يد عاملة وطنية، ووصول البطالة بين الأردنيين إلى مستويات مرتفعة جدًا بالمقاييس العالمية 21.
3 % أي 640 ألف شخص عاطلين، كل ذلك يعني اختلالًا واضحًا في التوازن تتأتى عنه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والأمنية عميقة التأثير بعيدة المدى.
وقد اتجهت الحكومة إلى التعامل مع المسألة فتم اتخاذ القرار في 31 أيار الماضي بمنع استقدام العمالة الوافدة في مجموعة من القطاعات على أمل أن تملأ العمالة الأردنية الفراغ وتواجه الطلب المتنامي على الأيدي العاملة.
وحتى يستعيد الأردن التوازن في معدلات النمو الاقتصادي والقوى العاملة بين الوطني والوافد لا بد من تسليط الضوء على عدد من النقاط على النحو التالي.
أولًا: إن صدور قرار لمنع العمالة الوافدة لا يكفي للصمود والاستمرار لأن احتياجات القطاعات المختلفة ومتطلبات الإنتاج في تلك القطاعات ستفرض نفسها بالضرورة باتجاه معاكس لقرار المنع.
ثانيًا: إن نقطة الانطلاق ينبغي أن تكون وبكل عمق ووضوح تحديد الأسباب والحيثيات التي تبعد العامل الأردني عن الانخراط في العمل الذي يقوم به العامل الوافد في كل قطاع بذاته، دون الاكتفاء بالتعميم والتركيز على مقولة ثقافة العيب التي راجت خلال السنوات الماضية.
فالعامل الوطني مستعد للعمل في شتى المهام إذا شعر بالعدل والإنصاف وإمكانية سد احتياجاته الأساسية.
ثالثًا: إن أهم الأسباب التي تصرف العامل الوطني عن قبول أي عمل تتمثل في حزمة متداخلة من المفردات وهي: الرواتب والنقل والاستمرارية والسكن والتأمينات الصحية والاجتماعية وساعات العمل وتكنولوجيا العمل، وهي في معظم الحالات أقل مما يتوقعه العامل الأردني على ضوء غلاء المعيشة وخاصة من هم مؤهلاتهم فوق الثانوي، وكذلك الإناث.
رابعًا: إن قرار الحكومة في وقت سابق بدعم رواتب من ينخرطون في العمل من خلال «برنامج التشغيل» الذي تقوده وزارة العمل يمثل دفعًا في الاتجاه الصحيح.
ولكن البرنامج بحاجة إلى التوسع في الحجم وفي النوع والكيفية فلا يكفي أن يشمل الدعم 10 أو 15 ألفًا وإنما ينبغي أن يمتد ليشمل أضعاف هذا الرقم ليصل 100 ألف كحد أدنى، وخاصة في القطاعات الصعبة مثل الزراعة والإنشاءات والخدمات الأخرى غير الصناعية.
آخذين بعين الاعتبار أن العمالة الوافدة بأعدادها الكبيرة تكلف الخزينة نفقات غير منظورة تصل إلى ملايين الدنانير سنويًا، وبواقع تقديري لا يقل عن 60 دينارًا لكل عامل لتغطي الكهرباء والماء والبيئة والنظافة والصحة وهجرة المهارات وخروج العملة الصعبة من خلال التحويلات، وأهم من كل ذلك الفرص الضائعة للارتقاء التكنولوجي في المجتمع الوطني.
خامسًا: إن كلفة السكن تمثل واحدة من العقبات الكبرى أمام العمالة الوطنية وخاصة حين يتحرك العامل بعيدًا عن سكنه الأصلي كأن ينتقل من المحافظات إلى العاصمة أو إلى محافظة بعيدة.
ومثل هذا الأمر يتطلب تنظيم العمالة المحلية في تعاونيات في كل محافظة تعنى بالشؤون المجتمعية للعمال بالتعاون مع الاتحادات والدوائر الرسمية وأصحاب العمل وتقيم مشاريع إسكان عمالية تكون إضافة إلى صناديق الادخار والتعاونيات للنقل والكهرباء والمياه جزءًا من حياة العامل.
سادسًا: ضرورة التوسع في المشاريع الإنتاجية والخدمية الخاصة في المحافظات وتفعيل كافة الحوافز لإنشاء تلك المشاريع في القرى والأرياف وهو أمر بالغ الحيوية لمواجهة البطالة.
ومثل هذه الحوافز لا ينبغي أن تكون بطيئة وبالتجزئة وفي كل عام أو عامين أو خمسة يظهر حافز.
فهذا المنهج التجزيئي لن يجذب المستثمرين ولن يحل أي مشكلة.
ما الذي يمنع أن تعفى المشاريع الإنتاجية الجديدة في المحافظات سواء كانت في مناطق تنموية أو خارجها، حتى في قرية من القرى، تعفى من الضرائب بشكل دائم بل وتعطى كافة الحوافز الضريبية لمدخلات ولوازم الإنتاج المعفاة من الضرائب والطاقة والمياه المدعومة، بل وكل ما يلزم المشروع من أراضٍ لتكون تأجيرًا طويل الأمد من البلديات؟سابعًا: أن يكون هناك توجه جاد لرفع المستوى التكنولوجي لكثير من الأعمال أمثال الإنشاءات والزراعة والخدمات الأخرى حتى خدمات البلديات في الشوارع.
فتنظيف هذه الشوارع من خلال ماكنات صغيرة وهي متاحة تجعلها أكثر قبولًا للعامل الوطني إضافة إلى الكفاءة والمكاسب الصحية.
كذلك فإن المطعم المتطور تكنولوجيًا يجذب إليه حتى الخريج الجامعي.
وبالتالي لا بد من وضع «مشاريع التطوير التكنولوجي لكل قطاع فرعي» بالتعاون مع الاتحادات والهيئات الرسمية والأهلية وإنشاء «وحدة التطوير التكنولوجي» في كل وزارة لتغطي كل قطاع.
ثامنًا: إن التطورات المتسارعة في الأتمتة والروبوتية والذكاء الاصطناعي من شأنها أن تقلص من فرص العمل التقليدية، الأمر الذي يستدعي التركيز في مؤسسات التعليم بمستوياتها المتنوعة على تدريس مادة «الريادية وإدارة المشاريع» من جهة، وإتاحة الفرصة للطلبة للاطلاع على المشاريع القائمة والاحتكاك بالمرافق الإنتاجية من صناعة إلى زراعة إلى سياحة إلى خدمات أخرى من جهة أخرى حتى يكون الطالب جاهزًا للبدء في مشروعه الخاص عند تخرجه.
وأخيرًا فإن تصحيح الاختلال بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة يتطلب المواجهة والانتباه إلى الكلفة الاقتصادية والمالية غير المنظورة للإفراط في العمالة الوافدة والمتمثلة في ارتفاع البطالة واستمرار النمو الاقتصادي متواضعًا.
وهذا يفسر مراوحة النمو الاقتصادي لدينا حول 2.
5 % لعدة سنوات.
هذا إضافة إلى كلفتها على الخزينة التي تدفع مباشرة على شكل معونات ودعم للأسر المحتاجة وكلفتها على رأس المال البشري من عقول ومهارات حيث تزداد هجرة العقول والمهارات والتي تصل في الأردن إلى (6) من (10).
إن استمرار البطالة وتواضع مشاركة المرأة والاختلال في العمالة وهجرة المهارات والكفاءات وغياب شبكة السكة الحديد تشكل العامل الرئيسي في استمرار بطء النمو الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك