في بيت الشعر الجميل الذي أقامه في ولاية أوهايو الأميركية، وأطلق عليه اسم «بيت الأردن»، يقف الدكتور جميل الوخيان أمام ضيفين أميركيين، شارحا لهما، بلهجة هادئة تفيض اعتزازا، شيئا من حكاية الأردن.
يتحدث عن «المغطس»، حيث تعمّد السيّد المسيح، وعن «جبل نيبو» حيث يفيض التاريخ بأسراره للعارفين، وعن الأرض التي تعاقبت عليها الحضارات الكبيرة بلا انقطاع، وتستحق أن تروى قصتها للعالم.
اضافة اعلانما يفعله الوخيان في هذا المشهد، وفي عشرات المشاهد المشابهة التي يوثقها عبر فيديوهات قصيرة، يتجاوز حدود الحنين الشخصي إلى الوطن، فهو يمارس شكلا نبيلا من الدبلوماسية الشعبية، يصبح فيها المواطن، بإخلاصه ومبادرته وقدرته على التواصل، سفيرا غير معلن لبلده، وربما أكثر تأثيرا من كثير من الخطابات الرسمية الباردة.
لم أتشرف بالتعرف إلى الرجل شخصيا، ولكنني ومنذ أشهر طويلة، أتابع ما يبثه من فيديوهات تتناول تجربته في الولايات المتحدة، وعن «بيت الشعر» الذي حوله إلى ملتقى للأردنيين والعرب، ونافذة مفتوحة أمام المجتمع الأميركي للتعرف إلى الأردن وتاريخه وتراثه وطبائع أهله، بعيدا عن الادعاء أو المبالغة وصناعة صورة مفتعلة عن البلد، وإنما تقديم الأردن كما هو في وجدانه العميق، كبلد صغير في الجغرافيا وغني بتاريخه وإرثه وإنسانه.
الوخيان، عضو هيئة التدريس في جامعة كينت ستيت الأميركية، يمد حضوره إلى المجال الثقافي والاجتماعي، مستثمرا موقعه في المهجر لكي يقدم بلده بأفضل صورة ممكنة، ولكي يمثل الأردنيين حين يظهرون في الخارج بصورة الإنسان المعتز بجذوره، والقادر على شرح بلده بمحبة ومعرفة واتزان.
أهمية تجربة الوخيان أنها تذكرنا بأن صورة الأردن في الخارج لا تصنعها الحملات الإعلانية وحدها أو المعارض السياحية، فهناك أشخاص يؤمنون ببلدهم، ويملكون القدرة على تحويل هذا الإيمان إلى فعل يومي.
«بيت الشعر» في أوهايو فكرة ذكية وبسيطة تحمل رمزية عالية باستحضارها الضيافة الأردنية، واستعراضها صورة الإنسان الأردني الذي يفتح بيته وقلبه للآخرين.
جهود الوخيان تعيد وصل الأردنيين في الخارج بذاكرتهم الأولى، وتمنح الأجيال الجديدة من أبناء المهجر فرصة رؤية الأردن كوطن حيّ يمكن التعرف عليه في اللغة والطعام واللباس والأغنية والصورة والحكاية.
إنه عمل ثقافي كبير، فالهويات في المهجر لا تبقى حية تلقائيا، وتحتاج إلى من يرعاها، ويجعلها قابلة للانتقال من جيل إلى جيل.
في الوقت نفسه، يقدم الوخيان نموذجا مهما لكيفية مخاطبة الآخر، فيفتح الباب أمام الأميركيين وغيرهم كي يتعرفوا إلى بلدنا، في مدخل قد يتطور إلى حوار ثقافي أوسع يشمل المكان والتاريخ والإنسان، والقيم التي تشكل صورة الأردن في الوعي الخارجي.
مثل هذه المبادرات تستحق أن تلتفت إليها المؤسسات الرسمية المعنية بالسياحة والاستثمار والثقافة، فالأردن يملك في مغتربيه ثروة رمزية هائلة غير مستثمرة بما يكفي.
هناك أردنيون قادرون على أداء دور بالغ الأهمية في التعريف بالبلد، كشهود حقيقيين، والفرق كبير بين إعلان مدفوع يطلب من الناس زيارة الأردن، وبين شخص يعيش بينهم ويستضيفهم في بيته، ليشرح لهم بلغتهم عن وطنه من موقع المحبة والمعرفة.
يمكن الاستفادة من تجربة الوخيان وأمثاله عبر بناء شبكة وطنية للمغتربين الأردنيين المؤثرين ثقافيا واجتماعيا، تتواصل معها الجهات المختصة، وتزودها بمواد تعريفية دقيقة وجاذبة عن الأردن، وتدعم مبادراتها الرمزية، وتربطها بالبرامج السياحية والاستثمارية والثقافية.
كل بيت أردني في الخارج يمكن أن يكون نافذة مهمة، وكل قصة صادقة عن الأردن يمكن أن تفتح بابا لسائح أو مستثمر أو صديق جديد للبلد.
في المجال السياحي تحديدا، يملك هؤلاء قدرة ناعمة لا تملكها المؤسسات وحدها، فالمغترب الأردني حين يتحدث عن الأردن يروي تجربة، ويقدم عناصر الثقة الأولى التي يحتاجها السائح قبل اتخاذ قراره.
أما في المجال الاستثماري، فإن الأردني الناجح في الخارج قادر على بناء جسور ثقة مع رجال أعمال ومؤسسات وجامعات ومراكز بحثية، ويمكن أن يكون مدخلا إلى شراكات أوسع إذا وجدت الدولة آلية ذكية للتواصل معه ومع شبكاته.
خدمة الوطن لا تحتاج دائما إلى منصب أو تفويض رسمي وإمكانات ضخمة، فيكفي أن يحمل الإنسان بلده في قلبه، وأن يعرف كيف يقدمه للآخرين بصدق وجمال.
لذلك، فلقب «سفير فوق العادة» يبدو لائقا بالدكتور جميل الوخيان نظرا لما يقدمه من صورة مشرقة عن الأردن والأردنيين.
الأردن في حاجة إلى هؤلاء القادرين على رواية قصته للعالم كما تستحق أن تُروى.
إنهم لا يقدمونها بتجميل مصطنع، أو بخطاب إنشائي، وإنما بثقة العارف ودفء المحب، ونُبل الإنسان الذي يعرف أن وطنه، مهما ابتعد عنه، يبقى قادرا على الإقامة فيه، كما أقام «بيت الأردن» في قلب أوهايو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك