حين يتحدث البعض عن العقوبات في الشريعة الإسلامية، يتصورها نظاماً قائماً على القسوة وسرعة الإدانة وإهدار الدماء، بينما تكشف القراءة الفقهية المقاصدية أن الأمر على النقيض تماماً، فالشريعة لم تبن نظام العقوبات على الرغبة في العقاب، وإنما على حماية الإنسان والمجتمع، ولذلك أحاطت العقوبة بسياج من الضمانات التي تمنع تحول العدالة إلى ظلم، ومن خلال استقراء النصوص الشرعية والقواعد الفقهية، يمكن الوقوف على سبع قواعد كبرى تحكم فلسفة العقوبات في الإسلام.
اضافة اعلانالقاعدة الأولى: الحدود والعقوبات تدرأ بالشبهاتلا يجوز أن تبنى العقوبات على الشك، بل على اليقين، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة أن وجود شبهة معتبرة أو احتمال للبراءة يكفي لإيقاف العقوبة، لأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، فالأصل حماية الإنسان من الظلم، لا التوسع في الإدانة.
القاعدة الثانية: دم الإنسان معصوم ولا يهدر بالظن والتخمينالأصل في الإنسان العصمة، والأصل في دمه الحرمة، فلا يجوز الانتقال إلى إهدار حياته، ولهذا وضعت الشريعة معايير صارمة للإثبات في الجرائم التي تمس النفس أو العرض، لأن حياة الناس ليست ملكاً لأحد، ولا يجوز أن تصبح رهينة الإشاعات أو الانفعالات أو الأحكام المسبقة، أن الشريعة جاءت لتضبط الانفعالات لا لتبريرها، وإن الفقه الإسلامي ينطلق من قاعدة مفادها أن الإنسان برئ حتى تثبت إدانته باليقين، لا بمجرد الاشتباه أو الاتهام.
القاعدة الثالثة: المساواة في العقوبات بين الرجل والمرأةالعقوبات في أصلها لا تقوم على التمييز بين الذكر والأنثى، وإنما على الفعل المرتكب وشروط المسؤولية القانونية، بل إن بعض الفقهاء كالحنفية ذهبوا إلى تخفيف العقوبة على المرأة في بعض العقوبات، مراعاة لجملة من الاعتبارات والمصالح التي قدروها، وهذا يدل على أن الشريعة لا تنطلق من منطق التمييز الجندري، وإنما من منطق العدالة.
القاعدة الرابعة: لا بد من تحقق جميع الشروط لإيقاع العقوبةالعقوبة الشرعية ليست حكماً انفعالياً، وإنما جزاء قانوني منضبط، ولذلك لا يكفي ثبوت الفعل وحده، بل لا بد من تحقق جميع الشروط وانتفاء الموانع، فإذا اختل شرط من شروط العقوبة المنصوص عليها بالشرع سقطت العقوبة كوجود أربعة شهود في إقامة حد الزنا مثلاً، لأن الشريعة لا تتعامل مع العقوبات بوصفها غاية، بل بوصفها استثناء لا يطبق إلا بيقين، ولهذا نجد أن مساحة إسقاط العقوبة في الفقه الإسلامي أوسع بكثير مما يتخيله كثير من الناس.
القاعدة الخامسة: العقوبة لحماية المجتمع لا لإيلام المذنبمن الأخطاء الشائعة النظر إلى العقوبة باعتبارها وسيلة للانتقام أو التشفي، أما في التصور الإسلامي فالعقوبة وسيلة لحماية المصالح العامة، وردع الجريمة وصيانة الأمن الاجتماعي، فالمقصود ليس تعذيب الجاني، وإنما منع تكرار الجريمة وحفظ استقرار المجتمع، ولهذا ارتبطت العقوبات في الإسلام بمقاصد الشريعة الكبرى لا بمجرد إيقاع الألم على المخالف.
القاعدة السادسة: التوبة والستر أولى من العقوبةالشريعة فتحت أبواب التوبة قبل أبواب العقوبة، وشجعت الستر على النفس، وعدم تتبع العورات، ولم يكن المقصود تحويل المجتمع إلى جهاز رقابة على الأفراد، بل بناء مجتمع يدفع أفراده إلى الإصلاح والتوبة الذاتية والصادقة، ولذلك رأى الفقهاء أن من لم تثبت عليه الجريمة يقيناً فالأولى ستره، وفتح باب التوبة له، لأن المقصد هو الإصلاح لا الفضيحة.
القاعدة السابعة: تنفيذ العقوبة حق للدولة لا للأفرادحتى لو ثبتت الجريمة واكتملت شروط العقوبة، فإن تنفيذها ليس حقاً للأفراد أو الجماعات، وإنما من اختصاص السلطة القضائية، فالعقوبة جزء من النظام العام، وليست ممارسة فردية، ولو فتح الباب لكل شخص ليعاقب من يراه مذنباً، لتحولت المجتمعات إلى ساحات للفوضى والثأر والانتقام.
ختاماً.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الناس هو استدعاء العقوبات خارج سياقها الفقهي والمقاصدي والقانوني، لأن العقوبة التي شرعت لحماية الإنسان، قد تتحول عند سوء فهمها إلى وسيلة للاعتداء، ولذا وضعت الشريعة من الضمانات ما يجعل الوصول إلى العقوبة أصعب من الوصول إلى الاتهام، فجعلت الأصل العصمة، والأصل البراءة، والأصل الستر، والأصل التوبة، فإذا اجتمعت هذه الأصول، أدركنا أن الإسلام إنما جاء لصون الدماء لا لاستباحتها، ولتحقيق العدل لا لمنح أحد حق إقامة العدالة بنفسه.
*الباحث في الفكر الإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك