لا تؤجلوا التفكير في الغد… فالتخطيط للمستقبل يبدأ في زمن الأزماتفي أوقات الحروب والأزمات الكبرى، تنصرف الأنظار بطبيعة الحال إلى إدارة الخسائر واحتواء المخاطر والاستجابة لمتطلبات الواقع اليومي.
وفي خضم هذه الانشغالات، يبرز اعتقاد ضمني مفاده أن التفكير في المستقبل يمكن تأجيله إلى ما بعد استعادة الاستقرار.
غير أن التاريخ يقدم درساً مغايراً؛ فالأمم التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تنتظر نهايتها لتفكر في الغد، بل جعلت من استشراف المستقبل جزءاً من أدوات الصمود والتعافي [1].
ومن هنا تنطلق هذه التوصية إلى المجتمع المدني: لا تؤجلوا التفكير في الغد، لأن المستقبل لا يبدأ بعد انتهاء الأزمات، بل يبدأ منذ اللحظة التي نقرر فيها أن نفكر فيه.
لقد اعتادت مجتمعات كثيرة أن تتعامل مع المستقبل باعتباره مشروعاً مؤجلاً، بينما تنشغل كلياً بإدارة الحاضر.
وهذه الحالة يمكن وصفها بما يمكن تسميته «الفقر الاستراتيجي»[هـ1]، أي عجز المجتمع عن تخصيص جزء من طاقته الذهنية والمؤسسية للتفكير بعيد المدى بسبب ضغط الأزمات اليومية.
وتكمن خطورة هذا الفقر الاستراتيجي في أنه لا يؤدي فقط إلى تأخير التنمية، بل يضعف قدرة المجتمع على إدراك الفرص قبل ظهورها، وعلى الاستعداد للمخاطر قبل وقوعها.
فالأمم لا تتراجع دائماً بسبب نقص الموارد، وإنما قد تتراجع بسبب غياب الرؤية.
ومن هذا المنطلق، يصبح استشراف المستقبل أحد أشكال إدارة المخاطر الوطنية.
فالمجتمعات التي تفكر في المستقبل أثناء الأزمات تكون أكثر قدرة على التعافي عندما تنتهي، وأكثر استعداداً لتحويل التحديات إلى فرص.
وفي هذا السياق يبرز المجتمع المدني باعتباره أحد أهم حراس المستقبل.
فدوره لا يقتصر على العمل الإغاثي أو الدفاع عن الحقوق الآنية، بل يمتد إلى حماية ما يمكن تسميته «الرصيد المستقبلي للأمة»[هـ2]، أي مجموع الفرص والإمكانات التي يجب أن تنتقل من جيل إلى آخر دون استنزاف أو إهدار.
لقد رسخ الفكر التنموي الحديث منذ تقرير لجنة برونتلاند عام 1987م مبدأً جوهرياً مؤداه أن تلبية احتياجات الحاضر يجب ألا تكون على حساب قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها [2].
ومن هذا المبدأ نشأت فكرة العدالة بين الأجيال التي أصبحت معياراً متقدماً للحكم على جودة السياسات العامة واستدامتها.
ولا تقتصر العدالة بين الأجيال على حماية البيئة أو الموارد الطبيعية، بل تشمل أيضاً حماية التعليم والمعرفة والمؤسسات العامة ورأس المال الاجتماعي.
فالأجيال القادمة لا ترث الأرض وحدها، وإنما ترث نوعية المدارس التي نبنيها، وكفاءة المؤسسات التي نؤسسها، ومستوى الثقة الاجتماعية الذي نتركه لها.
ومن هذا المنظور، فإن أخطر ما يمكن أن تخسره المجتمعات أثناء الأزمات ليس فقط ما يتعرض للتدمير من أصول مادية، بل ما قد تفقده من رصيدها المستقبلي.
فالمدرسة التي تتوقف اليوم قد تؤثر في رأس المال البشري لعقود مقبلة، والمؤسسة التي تضعف قد تحتاج سنوات طويلة لاستعادة فاعليتها، والقرار قصير النظر قد يفرض تكلفته على أجيال لم تشارك في صناعته.
وعند قراءة الواقع السوداني، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من التفكير أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فإعادة الإعمار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إعادة بناء للمباني والبنية التحتية فحسب، بل باعتبارها إعادة بناء للرؤية الوطنية ذاتها.
والسؤال الأهم ليس كيف نستعيد ما فقدناه، بل كيف نبني ما يحتاجه السودان خلال العقود المقبلة.
وتشير التجارب الدولية الحديثة إلى تنامٍ متزايد للاهتمام بحقوق الأجيال القادمة في التشريعات والسياسات العامة، كما في التجربتين المجرية والنرويجية [3].
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب لا تكمن في النصوص وحدها، بل في قدرتها على جعل المستقبل معياراً للحكم على القرارات الراهنة.
إن المجتمع المدني الذي يحتاجه السودان في العقود القادمة ليس مجتمعاً يكتفي بردود الأفعال، بل مجتمع يمتلك القدرة على الدفاع عن حق الأجيال القادمة في الفرص، تماماً كما يدافع عن حق الأجيال الحالية في الحقوق.
ولهذا تبقى التوصية الأساسية واضحة: لا تؤجلوا التفكير في الغد، فالتخطيط للمستقبل يبدأ في زمن الأزمات، وما يُبنى من رؤى أثناء المحن هو الذي يرسم ملامح الأوطان بعد انتهائها.
مصطلح يقصد به حالة الانشغال الكلي بإدارة الأزمات اليومية على حساب التفكير طويل المدى، بما يؤدي إلى ضعف القدرة على صناعة المستقبل أو الاستعداد له.
[هـ2] الرصيد المستقبلي للأمة:مصطلح يقصد به مجموع الموارد والفرص والإمكانات المادية والمعرفية والمؤسسية التي تتركها الأجيال الحالية للأجيال اللاحقة، وتشكل أساس قدرتها على التنمية والازدهار.
[1] دراسات التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات والتنمية بعد النزاعات.
[2] تقرير لجنة برونتلاند، الأمم المتحدة، “مستقبلنا المشترك”، 1987م.
[3] دستور المجر 2011، والمادة (112) من دستور النرويج المتعلقة بحماية البيئة وحقوق الأجيال الحالية والقادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك