يمكن وصف فيلم « APEX « (المفترس الأقوى) الذي عرض على منصة نتفليكس في 24 نيسان/ابريل 2026، بأنه ملحمة امرأة مغامرة ومتسلقة جبال، تهرب من ضوضاء المجتمع المتحضر إلى البراري، تهرب لتجد نفسها مطاردة من قِبَل قاتل متسلسل متعطش للدماء، فتتحول رحلتها إلى صراع ضار من أجل البقاء.
وهو من إﺧﺮاﺝ بالتاسار كورماكور، ﺗﺄﻟﻴﻒ، جيريمي روبينز، وبطولة تشارليز ثيرون، إيغرتون، إيريك بانا.
«ساشا» (تشارلز ثيرون) وزوجها إيريك بانا، مغامران من طراز فريد، يظهران في منطقة ذات سلسلة جبال شاهقة، يخيمان في منطقة في النرويج تدعى TROLL WALL، يتسلقان الجدار الشاهق لأجل الوصول إلى القمة، لكن الزوج تزل قدمه فيسقط في الهاوية.
بعد خمسة أشهر تعود ساشا حزينة إلى أستراليا، في رحلة برية للتخييم وركوب الأمواج، في خليج يصعب الإبحار فيه، فيتعقبها القاتل المتسلسل بن تارون (إيغرتون)، بعد أن تصادفا في محل تسوق قبل أن تكمل رحلتها.
السفاح بن استخدم كل شراسته ووحشيته، في سبيل القبض على ساشا، يسلسلها بقيد، حتى لا تفلت منه، لكن الإرادة الحديدية لساشا تنتصر في النهاية، وتقضي على بن بإسقاطه في الهاوية.
إذن، نحن أمام فيلم يعيد تقديم ثيمة الصياد والطريدة، ولكن في إطار شديد القسوة والجمال في آن واحد.
هذا التحول من مغامرة تسلق الجبال وركوب الأمواج إلى صراع البقاء يمنح الفيلم ثقلاً درامياً ملحمياً.
تذهب البطلة لتحدي الجبال الشاهقة والمياه الهائجة ومنحدرات الشلالات بوصفها عناصر طبيعية غير عاقلة، فتجد نفسها في مواجهة شرٍّ عاقل وممنهج.
هنا تكمن الحبكة؛ لا خلاص من الشر في كل مكان، في طرح مشوّق لفكرة مرعبة: الإنسان عندما يتجرد من إنسانيته ويتحول إلى آلة قتل في البرية، يصبح أخطر من أي وحش كاسر.
هذا النوع من الأفلام يعتمد على بلاغة الصمت.
الحوارات قليلة جداً، والاعتماد الكلي على لغة الجسد: تعبيرات الخوف، والإنهاك، والتركيز، وكذلك على صوت الطبيعة مثل وقع الأقدام عند تسلق الجروف الصخرية والأنفاس المتسارعة، التي كانت بمثابة موسيقى تصويرية توتّر الأعصاب.
لم تُستخدم الكاميرا لتوثيق المناظر الطبيعية فقط، بل لأجل خلق الشعور بـالعزلة الخانقة، رغم اتساع المكان.
اللقطات الواسعة كانت تُظهر البطلة كذرّةٍ صغيرة وسط الجبال، ما يعزز شعور المشاهد بضآلة الإنسان أمام جبروت الطبيعة ووحشية المطارد.
الفيلم يختبر جوهر الإنسان عند حافة الموت.
تلك اللحظة التي تضطر فيها متسلقة الجبال إلى استخدام مهاراتها التي تعلمتها من أجل المتعة والرياضة، من أجل القتل للدفاع عن النفس.
هو تحول تراجيدي من المغامر إلى المحارب.
التباين الجغرافي والنفسي بين جدار الترول Troll Wall في النرويج، وشواطئ أستراليا الهائجة هو ما منح الفيلم عمقاً درامياً استثنائياً.
وهو يبدأ بسقوط وينتهي بإسقاط.
في النرويج، كانت الهاوية هي القدر الذي سلب ساشا استقرارها العاطفي بموت زوجها.
وفي أستراليا، تحولت الهاوية نفسها إلى أداة عدالة تخلصت بها من السفاح بن.
البناء الدائري في السيناريو يجعل المشاهد يشعر بأن ساشا لم تنتصر على القاتل فحسب، بل انتصرت على عقدة الذنب وصدمة الفقد التي بدأت عند جدار الترول.
في النرويج، الكاميرا ركزت على الارتفاع الشاهق والثبات، حيث الصمت القاتل قبل الفاجعة.
في أستراليا ركزت على الخليج هائج الأمواج، ومنحدرات الشلالات السريعة الجريان.
وهنا نجد الاضطراب الذي يعكس صراع ساشا الداخلي.
اختيار مكان التخييم قرب الأمواج الهائجة يوحي بأنها كانت تبحث عن مواجهة مع الطبيعة لتنسى مواجهتها الخاسرة في النرويج، لكنها وجدت نفسها في مواجهة شرسة مع وحش بشري.
اختيار تشارلز ثيرون لهذا الدور كان عبقرياً؛ فهي تملك تلك القدرة على التحول من الضعف الإنساني والهشاشة بعد فقدان زوجها، إلى الصلابة البدائية في مواجهة بن.
وهو لا يمثل شراً عادياً، بل يمثل الوحشية المجردة، التي تظن أنها تستطيع كسر إرادة الآخرين.
ومثلما يبدو أن الإرادة الحديدية هي المفترس الأقوى «APEX» للقضاء على بن بإسقاطه في الهاوية، يبدو كذلك أنها فعل تطهيري بامتياز، وكأن ساشا تقول للهاوية: لقد أخذتِ مني أغلى ما أملك، والآن أعطيكِ هذا الشر لتغلقي أبوابك.
يلمس المشاهد ببراعة جوهر القوة في شاسا.
إنها ليست تلك القوة البدنية الخارقة التي نراها في أفلام الحركة التقليدية، بل هي قوة المرونة النفسية التي تُولد من رحم الفقد.
لم تكن علبة رماد زوج ساشا الراحل مجرد تذكار، بل كانت تمثل الارتباط المادي الأخير بحزنها.
طوال رحلتها ومواجهتها للسفاح، كان الرماد هو الدافع الصامت؛ وكأنها كانت تحمي بقايا زوجها من دنس القاتل.
وتحول رميه في المياه الأسترالية إلى إعلان بالتحرر، ليس نسياناً لزوجها، بل قبولاً لرحيله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك