بعد لقب المليونير، وكان ذات زمن نادراً ويُعدّ حاملوه على الأصابع أحياناً، قبل أن يتمدد ويتسع؛ دخل لقب الملياردير، وسار على منوال أخيه من حيث الندرة قبيل الاتساع؛ واليوم يدخل لقب الترليونير، لحامله إيلون ماسك، صاحب الأسبقية.
النظام الرأسمالي، من جانبه، لم يتوقف عن إنتاج معادلات التوحش، والكائنات/ الكينونات/ الوحوش استطراداً؛ قرينة الألقاب الثلاثة، بما يتوازى معها من ظواهر كونية تسجّل تفاقم الجوع والفاقة والبؤس والإفقار.
وكما هو معروف، قفز اللقب الجديد إلى كتفَيْ ماسك بعد طرح أسهم شركته SpaceX في بورصة ناسداك الأمريكية، فتكاملت سريعاً واحدة من عشوائيات الرأسمالية المعاصرة الأشدّ توحشاً، في صيغة اكتتاب هو الأكبر على امتداد تاريخ البورصات، فبيع السهم الواحد بقيمة 150 دولاراً، وارتفعت حصة ماسك في الشركة إلى أكثر من ترليون دولار.
«دعه يمرّ! دعه يعمل! »، يقول شعار الاستغلال الأشهر في تاريخ انتهاك حقوق العامل والعمل والإنتاج والاقتصاد؛ والذي توجّب أن يتحوّل على أيدي ماسك وزبانيته إلى شعار في صيغة سؤال وحيد مختصر: مَن يردع الوحش؟والإحصائيات، على الساحة الأمريكية وحدها، تقول إنّ 300.
000 أسرة تمتلك ثروة تتجاوز 50 مليون دولار، والعدد نفسه من الأسر يمتلك زهاء 40 ترليون؛ وبالتالي فإنّ فرض ضريبة ثروة على هذه الأسر يمكن أن يدرّ على الخزينة الفدرالية ما قيمته 6.
8 ترليون، على مدى 10 سنوات فقط.
وإلى جانب تأثيرات نماذج الثراء الفاحش على الاقتصاد، فإنّ عواقب هذا الاستئثار الأخرى قد تبدأ من تجيير النظام الديمقراطي لصالح الأثرياء، وقد لا تنتهي عند الأضرار والمخاطر البيئية.
إلى هذا وذاك من عناصر شتى باتت قرينة ماسك/ الظاهرة، ثمة ترابط أكثر وثوقاً، وبالتالي أشدّ توحشاً وشراسة، بين ماسك والرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ أو بين الماسكية والترامبية، لأنّ ما يجمع بينهما بصدد تناسق القرار التنفيذي الأعلى مع الاستثمار الملياراتي، اتخذ صفة النهج منذ الأسابيع الأولى لرئاسة ترامب الثانية، ويواصل تماسكه المنهجي رغم ما طرأ من تناءٍ ظاهري مؤقت بين الرجلين.
وتلك حال استوجبت انخراط ماسك، على أصعدة المؤسسات والشركات والمليارات، في معارك ترامب المختلفة، الداخلية منها والقارّية والعالمية، وبينها وجوباً انحياز صريح لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، سواء في حرب الإبادة المفتوحة ضدّ قطاع غزّة، أو حرب التدمير والتهجير والتطهير في جنوب لبنان، أو حتى في تفاصيل غير مرئية من توغل الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري والجولان المحتل.
ولا يجد عجباً في هذا التورط سوى متغافل يتجاهل عن سابق عمد تلك القوانين العليا التي حكمت، وتواصل حكم، منظومات التلاقي بين توحش الترليونير إلى مزيد من الاستثمار والمراكمة، وتعطش مجرم الحرب إلى مزيد من معارك التوسع والهيمنة.
ومساندة البيت الأبيض لدولة الاحتلال، مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً، ليست سوى وجهة أولى عليا ومعلنة لا تبخس في شيء قيمة ما قدّمه ماسك على صعيد إجراءات العزل الرقمي للشعب الفلسطيني عموماً ولأهل قطاع غزّة خصوصاً، بوسائط Starlink وما تديره من آلاف الأقمار الصناعية المصغرة.
كذلك باتت اليوم مفضوحة حكاية الرقابة المباشرة التي فرضها ماسك شخصياً على Grok، شبكة الذكاء الاصطناعي التابعة له، وبلغت درجة تعليق الأنشطة تماماً؛ وذلك بسبب صراحة بعض الإجابات الصادرة عنها، لجهة اتهام دولة الاحتلال والولايات المتحدة بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزّة، والتدليل على ذلك بإحالات إلى محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية.
وإذ ينفرد ماسك اليوم بلقب الترليونير الأوّل في التاريخ، فإنّ أسبقية قرائن الاستغلال والنهب والإفقار ليست البتة جديدة؛ ولن تكون الأسهم الصانعة للرقم الإعجازي ذي الأصفار الـ12 سوى ذروة إضافية في تاريخ طويل من التوحش الرأسمالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك