بصورٍ مغايرةٍ لما اعتيد، عاريةٍ من اليقينية بالتأكيد عمّا يعكس جوهر أصولنا؛ يُبلْوِر العلمُ السعيد أحدث نظرياته عن «الموت السعيد» بصورته العامة التي اقتبس منها ألبير كامو عنوان روايته الجميلة العميقة، وبجملةٍ تمنحنا عزاءَ الفقد برنينها: «نحن لا نموت»، وإنما نتوزع في خوارزميات أخرى في كوننا بعد التحلّل إلى «غبار نجوم»، وفي أكوانٍ متعددةٍ أخرى قبله عندما نختارُ فتنفصل نسخٌ منّا إليها، ويكون العلم سعيداً إن تم اكتشاف ما يخالف نظرته تلك، في إغنائه لنظرتنا وخيالنا ومعرفتنا أكثر عن ذلك.
ويكون العلم سعيداً أكثر بالطبع، إذ هي طبيعته، إن وَجَدَ عروساً تعالج فيه مسألة إحياءِ الرميم، وتَساؤلاتِ تَكوّن الذرِّ، وتآلف الأرواح في خوارزمياتٍ بشريةٍ، بثياب عرسِ رواية اللبنانية رشا مختار دندشلي «عروس قونيا ــ محاكمة شمس التبريزي»، تجعل منه صوفِيّاً مولَوِياً في مركز كونه، وتدير له موسيقى «السماع» لكي يرقص دواراً على رجل واحدةٍ تدور حولها في الاتجاهين بذات الوقت رؤى الخيال، التي لا تأتي عبثاً من دون أن يرسلها واقعٌ انتهى إلى واقعاتٍ تجعلنا نعيش سعداء بحظوظنا، التي تبدو مآسينا في ظاهر ما يتراءى لنا، لنبدع ما يجعلنا سعداء.
مثلما يكون العلم سعيداً إذ تُهيئ له دندشلي إن شاركها القارئ في إبداعها هذا، وسيفعل ذلك، عناصرَ تاريخيةً ثقافيةً لا يبتعد عنها، كأمثلةٍ، عالمُ النفس الباحث في الوعي الجمعي كارل يونغ، الذي تعتمد عليه في ما حدث لبطلتها، من استعادةٍ مدهشةٍ لحياة سابقة.
وهذا في إعادته ذلك إلى «أن الإنسان قادرٌ على النفاذ إلى الحقل الكمومي لذاكرة اللاوعي الجمعي من خلال التنويم المغناطيسي العميق، حيث تدخل الموجات الكهربائية للدماغ في حالة الأحلام أو التليباثي أو التأمل العميق».
كما لا يبتعد عنها الصوفي محيي الدين بن عربي، المتبحّرُ في العلم والمشابِكُ له مع التصوف وفق تقديم أحد فصولها التي تعالج الزمن الخطي في الواقع واللازمن في الأحلام بقوله: «الزمن مكانٌ سائلٌ والمكانُ زمانٌ متجمّد».
ووفق رأي جدّ بطلة الرواية «كيميا»، مقارنةً له بجلال الدين الرومي، في أنّ ابن عربي ليس أحد كبار شيوخ الصوفية فحسب وإنما هو كذلك عالم فيزياء وفلك، ولديه نظرياتٌ تفسّر قوانين الوجود، «كما يفعل علماء الفيزياء الكوانتية مثل نيلزبوروتِسلا وشرودينغر».
ويكون العلم سعيداً في النهاية أن تأتي روايةٌ لا تُصنَّف برواية خيال علمي، رغم دخولها في عوالم التقمص واستعادة الحيوات السابقة وعبور الزمن والأكوان الموازية، ولا تُصنَّف بروايةٍ تاريخية رغم استعادتها زمناً تجسّد منذ ثمانية قرون وازدهرت فيه الصوفية الدينية الذكورية، لتكسرها إلى صوفيةٍ كونيةٍ كموميةٍ.
كما لا تُصَنَّف بروايةِ حاضرٍ إذ تستعيد التاريخ كما لو كان حاضراً، وإنّما هي في تفلّتها من التصنيف روايةُ «كلّ شيء في أيّ مكانٍ وفي وقت واحد»، كما الفيلم الذي فاز بسبع جوائز أوسكار، حيث تنهي دندشلي روايتها بـ:«وعندها، وقع الإدراك في عقلي كالصاعقة، لقد كان كل ما عشته… شمس، جلال الدين، كيميا، قونيا، السماع، الأشعار، الزلزال، والموت…كل ذلك لم يكن سوى لحظة.
خمسٌ وعشرون دقيقةً فقط، كانت كافية لتزيحني من حاضري وتلقي بي في بُعْدٍ آخر، حيث عبرتُ بوابةً زمنيةً واجتزت ثمانية قرون وعشتُ حياةً كاملة… اتجهت نحو باب الطبيبة، وكأني أعبر من عالم إلى آخر وأنا أهمس في سرّي، كمن يتهيأ لاعتراف: إذا سألتْني الدكتورة عن طفولتي، رح أحكيلها عن أهلي يلّي تركوني وسافروا، وعن رفقاتي الفضائيين، وعن الحروب والزلازل يلّي كنت أتنبأ فيهن قبل ما يصيروا! فجأةً، تردّد في أذني صوت كيميا وهي تقول بنبرة حزينة: إن أقصر محطات العمر هي الطفولة يا ياسمين! ».
تجلّيات التشابك في الرواية داخل الرواية:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك