حين نشرت الـ«غارديان» البريطانية قائمتها لأفضل مئة رواية، بدا غياب العرب عنها وكأنه إهانة جديدة للأدب العربي، أو شهادة متأخرة على عجز الرواية العربية عن الوصول إلى الذائقة العالمية.
غير أن السؤال، إذا صيغ بهذه الحدة وحدها، يصبح ظالما ومضللا.
فالقوائم الأدبية لا تقيس الجمال الخالص، ولا تمنح صكا نهائيا للقيمة الأدبية، بل يمكن القول إنها تكشف، في الأغلب، عن شبكة الاعتراف التي تحيط بالكتاب: عن لغة النشر، قوة الترجمة، نفوذ الجامعات، حضور الجوائز، مزاج السوق، وتراكم القراءات النقدية.
لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا لم تدخل الرواية العربية؟ بل ينبغي أن نسأل: بأي طريق كان يمكن لها أن تدخل، ومن يملك مفاتيح هذا الطريق؟مهما بلغت وجاهة من قام بإعداد القائمة، فإنها لن تكون بأي حال نتيجة محكمة عدل أدبية.
بل هي اختيار جماعي محكوم بذاكرة من اختاروا، وبمكتباتهم، وباللغة التي يقرأون بها، وبالنصوص التي دُرست في جامعاتهم وصارت جزءا من تكوينهم الجمالي.
ويمكن القول إنه حين يصوت كاتب أو ناقد لروايات أثيرة لديه، فإنه لا يستدعي الأدب العالمي كله، بل يستدعي العالم الذي وصل إليه.
هنا تصبح المشكلة أكثر وضوحا، فالرواية العربية لا تغيب لأنها أقل شأنا، بل لأنها تصل غالبا بوصفها هامشا مترجما، أو وثيقة سياسية، أو نافذة سردية على منطقة مضطربة.
وحين تعلن القائمة أنها مفتوحة للروايات المنشورة بالإنكليزية، فإن (الإنكليزية) هنا شرط دخول.
وكل رواية لم تعبر إلى هذه اللغة، أو عبرت إليها بلا ناشر قوي، أو بلا مراجعات مؤثرة، تقف عمليا خارج الباب قبل أن يبدأ التصويت على القائمة.
من المهم جدا الانتباه إلى أن الرواية العربية لا تصل القارئ العالمي بلغتها الأصلية.
إنها تصل عبر الترجمة، والترجمة ليست جسرا بريئا.
إنها اختيار، وتعاقد، ودار نشر، ومحرر، ومراجعات، وتوزيع، وجائزة، ثم حضور في مكتبة عامة أو مقرر جامعي.
والعمل الذي لا يُترجم لا وجود له تقريبا في سوق الاعتراف العالمية، والعمل الذي يُترجم ترجمة ضعيفة يولد مشوها، والعمل الذي يُترجم جيدا من دون تسويق نقدي يظل يتيما.
لذلك يصبح سؤال الغياب العربي سؤالا عن منظومة كاملة، وليس عن موهبة فردية.
نحن نقول إن لدينا روايات كبرى، لكن الطريق بينها وبين القارئ الإنكليزي ما زال ضيقا، متقطعا، وموسميا.
والأخطر أن الترجمة الأدبية نفسها لا تمثل في السوق الأنكلوسكسونية إلا هامشا ضئيلا من النشر العام.
وحين يكون الهامش ضيقا إلى هذا الحد، تتنافس عليه لغات العالم كلها: الإسبانية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، اليابانية، الكورية، الصينية، واللغات الأفريقية.
وهنا لا يكفي أن تكون لديك رواية ممتازة.
يجب أن تكون هناك قوة دفع تجعلها مرئية وسط زحام مكتبي ونقدي وتجاري هائل.
ومع ذلك كله، فإن العربية ليست بلا ذكر.
فالروائي المصري نجيب محفوظ دليل على إمكانية تحول الرواية العربية إلى لغة إنسانية كبرى.
وقد منح الطيب صالح، في «موسم الهجرة إلى الشمال»، العلاقة بين الجنوب والشمال بنية فنية لا تقل عمقا عن أعظم نصوص ما بعد الاستعمار.
وإلى جانبهما يمكن ذكر عبد الرحمن منيف، حنا مينة، جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إميل حبيبي، صنع الله إبراهيم، إلياس خوري، هدى بركات، رجاء عالم، جوخة الحارثي، وكتابات أخرى صنعت خرائط كاملة للذاكرة والمنفى والاستبداد والمدينة والجسد.
مع ذلك، تتلخص المشكلة في عدم تحويل هذه الرواية إلى كيان معترف به خارج العربية.
وما يلفت النظر أن بعض هذه الأسماء حضرت في لحظات سابقة داخل قوائم عالمية أو ترشيحات نقدية، ثم تراجع حضورها لأن الاعتراف لم يتحول إلى تقليد ثابت.
نجيب محفوظ موجود، لكن أين بقية السلسلة؟ الطيب صالح حاضر، لكن كم طبعة حية ترافقه في الغرب؟ كنفاني يُقرأ سياسيا، لكن هل يُقرأ بوصفه مجددا في الشكل القصصي والروائي؟لا يتكون الاعتراف (الكانون) الأدبي عفويا.
بل يُصنع عبر مؤسسات طويلة النفس.
فالرواية الروسية لم تصل العالم إلا عبر دور نشر ومناهج وجامعات ونقاد تبنّوا ترجمتها.
والرواية اللاتينية لم تفرض نفسها بالمجاز وحده، بل بموجة نشر وترجمة واحتفاء نقدي وصورة ثقافية متماسكة حول الواقعية السحرية والديكتاتورية والذاكرة.
أما الرواية العربية فدخلت غالبا في موجات قصيرة: نوبل محفوظ، فلسطين، الحرب اللبنانية، الربيع العربي، النسوية، المنفى.
وهذه الموجات، على أهميتها، جعلت القراءة الغربية كثيرا ما تبحث في النص العربي عن مادة تفسيرية لا عن مغامرة فنية.
ولكي يدخل عملٌ ما في الكانون، لا بد أن يظل قابلا لإعادة القراءة.
لا تكفي المراجعة الأولى، ولا الحماسة الأولى، ولا الضجة الأولى.
يجب أن يعود إليه النقاد، وأن يدرسه الطلاب، وأن تقارنه الأطروحات، وأن تصدر طبعات جديدة منه، وأن تنشأ حوله لغة تفسيرية عابرة للأجيال.
حين تصير الرواية شاهدا سياسيا فقطإن أخطر ما يتعرض له الأدب العربي عالميا أنه يُقرأ أحيانا بوصفه تقريرا وصل للتو من الجحيم.
فالقارئ الغربي أو الناشر أو الناقد يريد أن يعرف عن الحرب، الحجاب، السجن، اللجوء، الطائفية، الاحتلال، الاستبداد، الجسد المحاصر.
وهذه، في الواقع، موضوعات حقيقية، ولا يجوز إنكار مركزيتها في التجربة العربية الحديثة، لكنها لا تكفي للإقناع بالرواية.
وحين يختزل النص في شهادته، يخسر جزءا من سلطته الجمالية.
عندئذ؛ تصبح الرواية العربية مطالبة بأن تصوّر المنطقة، لا أن تهز شكل الرواية نفسها.
ومتى صار الكاتب ممثلا جغرافيا، لا خالقا فنيا، انحرفت القراءة عن جوهر الأدب.
لذلك يحتاج الأدب العربي إلى دفاع مزدوج: دفاع عن حقه في تمثيل المأساة، ودفاع عن حقه في ألا يُختزل في المأساة.
فالرواية العربية ليست أرشيفا للخراب.
ففيها الكوميديا، والميتافيزيقا، والبوليسي، والغرائبي، والسخرية السوداء، وملحمة العائلة، وقلق المدينة الحديثة، وتجارب اللغة والراوي والزمن.
نحن مقصرون.
لأنه لا توجد، عربيا، سياسة مؤسسية كافية لترجمة الروايات الكبرى بانتظام، ومراجعة ترجماتها، وإعادة نشرها، وترويجها، وبناء ملفات نقدية حولها.
لقد صنعت الجوائز العربية حركة مهمة، لكنها لم تتحول إلى بوابة عالمية.
والجامعات العربية غالبا لا تقدم سردية حديثة متماسكة عن الرواية العربية لدارسي الأدب العالمي.
والنقد العربي، في كثير من حالاته، منشغل بالمناسبات، أو العلاقات العامة، أو الخصومات، أكثر من انشغاله ببناء أرشيف معرفي قابل للتصدير.
ثم إننا لا نحسن إدارة حقوق النشر.
حيث أن كثيرا من الروايات المهمة لا تصل إلى وكلاء أدبيين محترفين.
وبعض الترجمات تصدر عن مبادرات فردية نبيلة، لكنها بلا خطة تراكمية.
وإذا غاب الوكيل، وضعفت الدار، وندر النقد، فإن العمل العظيم يبقى محليا مهما بلغت قيمته.
والعالم، بالتأكيد، لا يذهب دائما إلى النصوص النائية.
والنصوص تحتاج أحيانا إلى من يحملها، يدافع عنها، يشرح سياقها، ويضعها أمام القراء المناسبين.
ولا يكفي هنا أن نترجم رواية ثم نحتفل بصدورها أسبوعا واحدا.
المطلوب متابعة لسنوات: مقابلات، مراجعات، ندوات، حضور في المعارض، اشتباك مع الجامعات، ونسخ إلكترونية وسمعية تصل إلى القارئ الجديد.
ومع ذلك، لا يجوز أن نحول قائمة الـ«غارديان» إلى مرآة لذواتنا.
فالأدب لا يعيش بقرار صحيفة، ولا يموت بغياب اسم.
إن في التراث الروائي العربي ما يستحق أن يقرأ عالميا مثل ثلاثية محفوظ بوصفها ملحمة مدينة وزمن، «رجال في الشمس» بوصفها مأساة الصمت الفلسطيني، «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» بوصفها عبقرية ساخرة تحت الاحتلال، «مدن الملح» بوصفها تشريحا لولادة الدولة النفطية، «باب الشمس» بوصفها أرشيفا روائيا للنكبة والمنفى.
هذه أعمال لا تحتاج إلى إذن قائمة كي تكون عظيمة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات كي لا تبقى عظمتها حبيسة لغتها.
والقيمة الحقيقية لا تظهر دائما في لحظة الصدور.
يحتاج العمل إلى زمن كي يكشف قوته.
وأحيانا يتأخر العالم في الاعتراف بما كان واضحا منذ البداية.
لذلك ينبغي أن نقرأ الغياب لا كإدانة، لأنه كمؤشر على خلل في حركة النص من لغته الأم إلى العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك