غزة 13 يونيو 2026 (شينخوا) عندما كان زياد حمودة طفلاً في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، اعتاد الجلوس إلى والديه لساعات طويلة وهما يرويان له حكايات مدينة الرملة الواقعة جنوب شرق يافا.
وطوال سنوات عمره الـ65، لم تطأ قدماه المدينة يوماً، لكنه حفظ أسماء أحيائها وشوارعها وبياراتها كما لو أنه عاش فيها، ومن خلال روايات والده وجده، عرف مكان منزل العائلة، وكيف كانت أشجار التين والزيتون تحيط به، وأين كان جده يجلس في أمسيات الصيف قبل أن تُجبر العائلة على مغادرة المدينة خلال نكبة عام 1948.
كبر حمودة وهو يحمل صفة" لاجئ" التي التصقت بعائلته منذ ذلك الحين، لكنه لم يتخيل يوماً أن يعيش بنفسه تجربة اللجوء التي ورث قصتها عن والديه وأجداده.
وعلى مدى عقود، اعتقد الرجل، الذي اكتسح الشيب رأسه ورسمت التجاعيد ملامح وجهه، أن اللجوء جزء من ذاكرة العائلة أكثر منه واقعاً يومياً، فقد عاش في المنزل الذي بنته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لعائلته داخل مخيم جباليا في سبعينيات القرن الماضي، وربى أبناءه الثمانية بين جدرانه، وظن أن حياة النزوح التي عاشها الجيل الأول من اللاجئين أصبحت جزءاً من الماضي.
لكن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 غيرت كل شيء.
ويقول حمودة لوكالة أنباء ((شينخوا))، وقد ارتسمت على وجهه ملامح إرهاق عميق" عشت عمري كله أحمل اسم لاجئ، لكنني لم أعرف معنى اللجوء الحقيقي إلا في هذه الحرب".
وكانت آخر ليلة أمضاها مع أسرته في منزلهم قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، وبعد أربعة أيام فقط من بدايتها، اضطر إلى مغادرة البيت الذي احتضن ذكريات عشرات السنين، متوجهاً مع عائلته إلى دير البلح وسط القطاع.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت حياة الأسرة إلى رحلة متواصلة من النزوح والانتظار، إذ قضت أكثر من عام وأربعة أشهر متنقلة بين عدة أماكن، وعندما عادت خلال الهدنة إلى شمال غزة أواخر يناير 2025، وجدت منزلها متضرراً لكنه ما زال قائماً، فأقامت فيه عدة أشهر واستقبلت شهر رمضان إلى جواره، قبل أن تدفعها العمليات العسكرية المتجددة إلى النزوح مرة أخرى.
ويستذكر حمودة تلك الفترة قائلاً" لم يكن المنزل صالحاً للسكن بالكامل، لكنه كان أفضل ألف مرة من الخيام".
واليوم يقيم الرجل في خيمة بمكان نزوح جديد منذ يونيو 2025، بعد أن تنقل بين مناطق عدة بحثاً عن الأمان الذي لم يجده، وبالنسبة له، لا يقتصر الألم على فقدان المنزل، بل يمتد إلى شعور ثقيل بأن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة.
ويقول" والدي خرج من الرملة عام 1948 معتقداً أنه سيعود بعد أيام قليلة، اليوم خرجنا نحن من جباليا ولا نعرف متى سنعود، الفرق الوحيد أنني كنت أسمع قصة اللجوء من أبي، أما الآن فأعيشها بنفسي".
وتتكرر قصة حمودة في حياة عشرات آلاف الفلسطينيين داخل قطاع غزة، فوفق بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، هُجّر نحو 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم خلال نكبة عام 1948، فيما يشكل اللاجئون وأبناؤهم اليوم نحو 70 بالمئة من سكان قطاع غزة البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة.
ولعقود طويلة، عاش هؤلاء في المخيمات والمدن وهم يحملون ذاكرة بلداتهم الأصلية الممتدة من الرملة ويافا والمجدل وبئر السبع وعشرات القرى الأخرى التي فقدوها قبل 78 عاماً، لكن أبناءهم وأحفادهم وجدوا أنفسهم منذ أكتوبر 2023 أمام تجربة اقتلاع جديدة.
وتفيد تقديرات الأمم المتحدة بأن نحو 90 بالمئة من سكان قطاع غزة تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل خلال الحرب الحالية، فيما نزحت أعداد كبيرة منهم مرات متكررة بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه.
وفي غزة، أصبح صوت الطائرات كافياً لإثارة الذعر حتى وإن كان بعيداً، ويصف حمودة حياته الحالية قائلاً" لم تعد هناك أيام طبيعية، أحياناً يبدأ يومنا ليلاً وأحياناً نهاراً، فلا نوم منتظماً ولا مواعيد ثابتة، وقد نبقى مستيقظين طوال الليل بسبب القصف ثم نحاول النوم قليلاً خلال النهار".
ويضيف" منذ أكثر من عامين وكل شخص فينا يتوقع أن يكون الهدف الجديد للقصف".
وفي ظل هذا الواقع، اكتسب الهاتف المحمول أهمية مختلفة، فلم يعد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبح أداة للبقاء والاطمئنان على أفراد العائلة الموزعين بين مناطق النزوح المختلفة.
ويقول حمودة إن أسئلة مثل" أين أنت؟ أين ابنك؟ أين ابنتك؟ " تتكرر يومياً، مضيفاً أن فقدان الاتصال لساعات قليلة قد يتحول إلى مصدر قلق هائل.
ورغم كل الخسائر، ما تزال هناك لحظات صغيرة تمنحه شيئاً من العزاء، فقبل أشهر التقى للمرة الأولى بابنته المتزوجة منذ نحو عام ونصف، وخلال فترة الانقطاع تلك أنجبت طفلة لم يكن قد رآها من قبل.
ويقول مبتسماً" شعرت أن القدر منحني هدية صغيرة وسط كل هذا الألم، اجتمع حولي أبنائي وبناتي وبعض الأقارب، صحيح أن العائلة مشتتة، لكن مجرد وجودهم حولي منحني شيئاً من التوازن".
وعلى بعد أمتار من مكان إقامته، يعيش قريبه أحمد حمودة (36 عاماً)، وهو أب لستة أطفال، ومثل زياد، ينتمي أحمد إلى عائلة لاجئة هُجرت من أراضيها عام 1948، ووجد نفسه يعيش تجربة النزوح من جديد.
ويقيم أحمد اليوم داخل خيمة نُصبت في منطقة كانت يوماً متنفساً للسكان ومقصداً للنزهات العائلية.
ويقول وهو يتأمل صفوف الخيام الممتدة لوكالة ((شينخوا))" هذا المكان كان للتنزه، واليوم أصبح مدينة كاملة من النازحين".
ونزحت عائلته من جباليا إلى دير البلح حيث أقامت داخل مدرسة، ثم عادت إلى منزلها بعد نحو عام ونصف، لكنها لم تستطع البقاء أكثر من شهر واحد قبل أن تضطر إلى المغادرة مجدداً.
ويتذكر يوم الخروج من المنزل قائلاً" غادرنا عند غروب الشمس، بعد وقت قصير استُهدفت بيوت قريبة منا، أحد المنازل قُصف في الليلة نفسها التي خرجنا فيها".
وبالنسبة لأحمد، تقلصت الأحلام إلى حدود الاحتياجات الأساسية.
ويقول" نفكر فقط في ماذا سنأكل اليوم وماذا سنفعل غداً، الماء والطعام والحمام والكهرباء أصبحت كلها تحديات يومية".
ويضيف أن غياب مصادر الدخل وانعدام الأفق دفعا كثيراً من الشباب إلى التفكير في مغادرة غزة إذا أتيحت لهم الفرصة.
ويتابع" حتى الذكريات الجميلة أصبحت بعيدة تحت ضغط الواقع.
لم يعد الإنسان يفكر إلا في الحفاظ على حياته وحياة أطفاله، ما نريده ببساطة هو أن تتوقف الحرب وأن نعيش بكرامة مثل باقي البشر".
وامتدت آثار الحرب إلى مختلف أنحاء القطاع، ووفق وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 73 ألف شخص، إضافة إلى عشرات آلاف الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض.
كما تعرضت أحياء سكنية واسعة للتدمير، وتضررت أو دُمرت أجزاء كبيرة من البنية التحتية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.
وفي مناطق واسعة من وسط وجنوب القطاع، تحولت الأراضي المفتوحة والشريط الساحلي إلى تجمعات ضخمة من الخيام البيضاء والرمادية التي تأوي مئات آلاف النازحين.
وهناك تصطف النساء والأطفال للحصول على المياه والغذاء، بينما يحاول الرجال توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
وبين زياد وأحمد تمتد حكاية عشرات آلاف العائلات الفلسطينية التي ورثت اللجوء عن آبائها وأجدادها، ثم وجدت نفسها تعيشه مرة أخرى.
فأحفاد النكبة الذين نشأوا على قصص التهجير الأولى باتوا يروون اليوم لأطفالهم قصص نزوح جديد وخيام جديدة وخسارات جديدة.
وبالنسبة لزياد، تبدو المسافة بين الرملة التي غادرتها عائلته عام 1948 والخيمة التي يعيش فيها اليوم وكأنها رحلة لجوء واحدة لم تنته بعد.
أما أحمد وأطفاله الستة فيمثلون جيلاً جديداً وُلد لاجئاً ثم كبر ليعيش النزوح مجدداً.
وفي غزة، لا تبدو كلمة" لاجئ" مجرد توصيف قانوني أو سياسي، بل تجربة إنسانية متجددة تتوارثها الأجيال، فمن المدن والقرى التي فُقدت عام 1948 إلى الخيام المنتشرة اليوم في أنحاء القطاع، تتكرر الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة.
آباء حملوا مفاتيح منازل فقدوها قبل عقود طويلة، وأبناء يحملون اليوم ما تبقى من مقتنياتهم الشخصية وهم يتنقلون بين الخيام، وبينما يستمر انتظار نهاية الحرب، يبقى حلمهم بسيطاً: بيت آمن، وحياة مستقرة، وألا يضطر الجيل القادم إلى وراثة قصة لجوء جديدة.
■.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك